اخر الاخبار :

ألغام ما بعد التأليف أكبر مما قبله





يوماً بعد يوم تتعمق أزمة تشكيل الحكومة، وتزداد تعقيداً في مرحلة لا يجوز أن يبقى فيها لبنان من دون حكومة، ولكن ليس أي حكومة. مع تكليف الرئيس سعد الحريري ومباشرته – كما قال – عملية التشكيل تحت مظلة “المبادرة الفرنسية”، اعتقد عدد كبير من المراقبين ان طريق ولادة الحكومة سيكون معبّداً، وان حجم الأزمة من شأنه ان يمنع جميع الأطراف المعنيين بتشكيل الحكومة من ان يناوروا على جاري العادة حين كانت الأوضاع مختلفة. في زمن الازمات الكبرى، لا بل الوجودية، لا بد من تحمّل المسؤولية بجرأة وبتجرد لأن المهمة ليست سهلة بل صعبة جداً.
من هنا قلنا منذ اليوم الأول لترشيح الرئيس سعد الحريري نفسه في مقابلة تلفزيونية، ثم بعدما جرى تكليفه رغماً عن رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل، ان طريقه ستكون مزروعة بالالغام على اكثر من مستوى. فالمواجهة مع ميشال عون ليست اللغم الأكبر الذي يواجهه سعد الحريري، لا بل انها في يقيننا اللغم الأقل أهمية، لأن مهمة انقاذ لبنان في هذه المرحلة هي مجازفة كبيرة، لا بل كبيرة جداً، ولا أحد يملك، أكان الحريري أو سواه، ضمانة مسبقة للنجاح ليس في انقاذ لبنان، بل أقله وقف الانهيار موقتاً ريثما تتغير رياح المواجهة في المنطقة من جهة، ويتحسن “نسل” الطاقم الحاكم الذي لا تزال النظرة اليه في المجتمع الدولي على انه “مافيا” كبيرة نهبت البلاد، ودمرت الحجر والبشر فيها. إنها مهمة صعبة على الحريري لأنه حتى لو شكَّل الحكومة سيكون مجبراً على الانطلاق من القعر، بعد كل ما حصل في لبنان. وعليه فنسبة النجاح ليست عالية لأسباب عدة لا تتعلق برئيس الحكومة نفسه بل بجملة عوامل: أولاً، ان الحكومة تتشكل في مرحلة اشتباك داخلي بين أعضاء “النادي” الواحد، وكثيرون سيشدّون بالحكومة الى الأسفل، ويعرقلون عملها ليفشلوا الحريري. ثانياً، لأن ازمة البلاد كبيرة الى درجة صار الخارج مقتنعاً بان الطاقم الحاكم نفسه غير مؤهل لقيادة العملية، وان ثمة حاجة الى انقلاب على “المافيا” كما يعتبرها المجتمع الدولي. وثالثاً، لان المنطقة التي تعيش مرحلة اشتباك سياسي وأمني كبير، تقف على حافة مواجهة عسكرية قد تنشب في أي لحظة. ورابعاً، لان أحد أسس الازمة اللبنانية، إضافة الى نهب الطاقم الحاكم بجميع وجوهه البلد، يكمن في سيطرة “حزب الله” عليه بمؤسساته الرسمية وحياته السياسية وإمساكه بالقرار الذي لا يعلو عليه قرار. هذه عوامل تجعل من مهمة مطلق أي رئيس حكومة لمحاولة انقاذ لبنان من الانهيار التام، أشبه بالمهمة المستحيلة، وعليه فإن رحلة الرئيس الحريري الحكومية ليست رحلة استجمام. وإذا كان البعض يعتبرها هدية فإنها بالتأكيد هدية مفخخة سيكون مجبراً على تفكيكها يومياً لئلا تنفجر بوجهه وبوجه اللبنانيين.
إذاً، وبعيداً من ازمة التأليف وتشعباتها اللبنانية، فإن التحدي الأساس يكمن في ان تكون الحكومة، كما قال الفرنسيون اكثر من مرة، ذات ثقة وصدقية كأسماء، وكفريق عمل، ثم ان تكون التشكيلة مستقلة حقاً عن القوى والأحزاب في قرارها، وذلك لتكسب أقله ثقة اللبنانيين، وقبول المجتمع الدولي الذي سيحكم على الأفعال يوماً بعد يوم. فلا ثقة عمياء بعد الآن لا في الداخل ولا في الخارج.

الملفات المضمنة :

لم يتم تضمين اي ملف مع المقال