اخر الاخبار :

غابي أيوب / لم تكن شجاعة معوض استعراضية لكنها كانت حاضرة





بقلم غابي أيوب

استشهد الرئيس رينيه معوض، ومعه استشهدت جمهورية كان يرسمها في أمنياته واحلامه ونضالاته، خسره لبنان زعيماً وطنياً شهابيا علمانياً معتدلاً منفتحاً على الجميع…

 

لم يكن رينيه معوض رمزاً لعصبية طائفية ولا قائداً جماهيرياً يعزف للناس  لينتزع منهم التصفيق . كان رجل الثوابت اللبنانية يحملها بصبر، وكان <يحفر الجبل بإبرة>، لم تكن شجاعته استعراضية لكنها كانت حاضرة، اعتداله لم يوصله الى التفريط بما امن به بل الى محاولة تحصين جوهر قناعاته.

 

الرهان على الدولة كان رهانه الكبير. الدولة التي تذهب الى الناس في ورشة الانماء المتوازن. كان رينيه معوض مشروع مصالحة بشخصه، وبالحل الذي اوصله إلى الرئاسة. كان صلة الوصل ومنتصف الطريق بين اللبنانيين انفسهم .

 

لم يحكم رينيه معوض ليتسنى للبنانيين والتاريخ إصدار حكم تفصيلي له، او عليه، لكن اسلوب الرئيس في جمهورية الـ17 يوماً ارسل اشارات تُعبّر عن اختلاف اسلوبه .

لم يكن رينيه معوض سيف لطائفته بل كان العقل الهادئ الذي يسعى لتجنيبها الظلم، وظلم سيوف الآخرين. لم يكن عنده ميليشيا على خطوط التماس، ولا قائدا يأمر بإشعالها، كان اللبناني الشهابي العتيق . كان ابن زغرتا المدينة اللبنانية التي لا تعترّف بقطع شرايين الوطن، ولا تسلم بإغلاق النوافذ. من زغرتا، كانت عينه على بيروت الشرقية والغربية. فهذا الشمالي كان ابن 10452بحدوده الكاملة، لا ينسى الجنوب ولا البقاع.

 

إنه يوم الأربعاء من صباح 22 تشرين الثاني/  1989. لبنان الخارج من حرب أهليّة بعد توقيع اتفاق الطائف، يحتفل بالذكرى السادسة والأربعين لعيد الاستقلال في ظلّ رئيس للجمهوريّة اسمه رينيه معوّض منتخب منذ 17 يوماً، وذلك بعد سنة على الاقل من الفراغ الذي استولد حكومتي سليم الحص وميشال عون: القصر الجمهوري محتل «من الشعب»، وميشال عون يقيم فيه مع عائلته… في 21 تشرين الثاني 1989، يوجه رينيه معوض كلمة الاستقلال الى اللبنانيين… في اليوم التالي، كان اللبنانيون بانتظار حفل الاستقبال التقليدي في مقرّ السرايا الحكومية المؤقت (في الصنائع) تلقى رينه معوّض تحذيرات كثيرة ونصائح بعدم حضور احتفال الاستقلال. فلم يقتنع. أصرّ على أن يعطي اللبنانيين بارقة امل من تحت الانقاض، ولو كان الثمن حياته. «فخامته» يخرج من منزله «السيّدة الأولى» نائلة معوّض يئست من إقناعه بعدم الذهاب. يصرّ معوّض على الاحتفال بالاستقلال. أكثر من ثلاث ساعات قضاها معوّض وإلى جانبه الحسيني والحصّ في السرايا. يضعون يدهم في يد المهنئين. يخرج «فخامته» ليعود إلى منزله. في تمام الساعة 2 إلا عشر دقائق، وعند تلك النزلة المعروفة بـ<حبس النسوان> (عائشة بكار)، كان بانتظار معوّض 250 كيلوغراماً من المتفجّرات.

 الانفجار ادى الى شطر سيارة الرئيس رينيه معوض المصفحة الى شطرين، وهي من نوع <مرسيدس>. وهذه السيارة كان قد قدّمها الى الرئيس معوض رجل الاعمال (يومذاك) الرئيس رفيق الحريري، وسُحبت السيارة على الفور الى ثكنة الحلو، ولم يُسمح لأحد الاقتراب منها وحتى الأجهزة الأمنية اللبنانية مُنعت من ذلك.

وتذكر اوساط انه وبعد فترة قصيرة تم تقطيع ما تبقى من السيارة الى أجزاء صغيرة أمام أنظار المسؤولين عن ثكنة الحلو، وقد اختفت الأجزاء كلياً بحجة أن أحداً سرقها من داخل الثكنة..!

أن اغتيال معوض هو اغتيال سياسي بامتياز. هو اغتيال لمشروع المصالحة الوطنية والوفاق.

رحل رينه معوض، تاركاً لابنه ميشال إرث العائلة السياسي والعاطفي. والمسيرة مستمرة.

الملفات المضمنة :

لم يتم تضمين اي ملف مع المقال