اخر الاخبار :

الرفيق الأقرب لسليماني يخرج عن صمته...





لَم يغتَل القرارُ الأميركي الجنرال في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني في مطار بغداد. نعم، لقد أطلقتْ القواتُ الأميركية النارَ على الموكب الذي ضمّ القائد الإيراني والقائد في «الحشد الشعبي» العراقي أبو مهدي المهندس (جمال جعفر التميمي) ودمّرت السيارة بأكملها وحرقت مَن بداخلها. إلا أن السبب الذي دفع الرئيس دونالد ترامب لاتخاذ هكذا قرار، هو موقف «محور المقاومة» الذي تَراجَعَ كلياً عن مستوى الأداء الذي اعتقدتْ إيران أنها استطاعت الوصول إليه بعد عشر سنوات من العمل لتقوية هذا «المحور». هكذا قدمت أوساط «ممانعة» قراءتها المختلفة لمقتل سليماني.

قال رفيق درب سليماني، الذي تحدّث إليه قبل ساعات من صعوده إلى الطائرة التي أقلّته من دمشق إلى بغداد، لـ«الراي»: «لقد مات الرجلُ النبيل. خسرتْ فلسطين الحاج قاسم. كان ملك المحور وزعيمه، ولكن هذا المحور سيبقى ولن يموت إلا أنه بحاجة إلى إعادة تموْضع ودراسة. وهذا ما كان مصدوماً منه الحاج قاسم ويشكو منه في آخِر مُخاطَبة بيني وبينه».

لقد ضربتْ أميركا، إيران في صميم عزّتها بقتل اللواء سليماني. ولكن «المحور» قَتَله قبل ذلك. فعندما قرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو قتْل نائب رئيس المجلس العسكري (أعلى سلطة في «حزب الله» اللبناني الذي يترأسه أمينه العام السيد حسن نصرالله) الحاج عماد مغنية في سورية، لم يستطع «حزب الله» الردّ لغاية اليوم. وعندما أهدى ترامب لنتنياهو، القدس عاصمةً لكيانه، لم يتحرّك هذا «المحور» سوى بإقامة الندوات التلفزيونية والمؤتمرات التي رفضتْ كلياً هكذا قرار.
وعندما أهدى ترامب، هضبة الجولان السوري المحتلة لإسرائيل ولم يتحرك «محور المقاومة»، فَهِمَ الرئيس الأميركي أن لا شيء يردعه وهو الذي يقرر ما يشاء ما دامت المعارضة مشلولة. وحين قصفت إسرائيل مئات الأهداف السورية والإيرانية في سورية، برّر هذا المحور أنه «لا يريد الانجرار خلف توقيت الاشتباك الذي يفرضه العدو»، كما قال لي مسؤولٌ رفيع المستوى في هذا المحور.
أما في العراق، فآخر ما كان يشكو منه اللواء سليماني هو تضعْضع الصف العراقي ضمن هذا المحور بالدرجة الأولى والذي تمثّل بتحالف البناء وآخرين في تحالفات أخرى كان من المفترض ألا تكون على الأقلّ محسوبة على الخطّ المُوالي لأميركا.
على الرغم من أن سليماني كان يبادر هو ويصالح في بغداد (وفي أماكن أخرى) كل مَن يختلف معه ويرفع الصوت في وجهه اعتراضاً على ما يطلبه أو يحاول الوصول إليه، إلا أنه لم يستطع جمْع شمل مَن اعتبرهم مِن الحلفاء مبدئياً حول توافُقٍ على اسم مرشح رئيس الوزراء المقبل أو حتى على الاتفاق في ما بينهم على خطّ مشترك. وقال في لحظاته الأخيرة قبل الاغتيال، إن «الصدمة كبيرة وان الحاجة لإعادة صقل المشروع ضرورة لا بد منها».
وعندما بدأ الشارع العراقي بالتحرك، بدا الخط الرافض للهيمنة الأميركية، مشرذماً لأنه جزء من السلطة التي حكمت وتحكم العراق. ومما زاد الأمور سوءاً هو توجيه السيد مقتدى الصدر سهامه إلى شركائه في الحُكْم وكأن تظاهرات الشارع لا تعنيه، هو الذي يملك أكبر عدد من النواب والوزراء ومسؤولي الدولة وشارك في الحكم منذ أكثر من عشر سنوات.
وقد عاتب سليماني كثيراً السيد الصدر لمواقفه التي ساهمت بضعضعة الصف العراقي لأنه لم يقدّم أي مشروع حلّ بديل لذلك سوى فوضى الشارع.
آمَن سليماني بأن «محور المقاومة» يحتاج لرؤية جديدة لأن المشروع الذي كان يُعتمد عليه يبدو متعثراً منذ زمن. وعندما اتصل وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر برئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي وأبلغه بنيات أميركا ضرْب أهداف داخل العراق، غضب اللواء كثيراً من نفسه ومن أداء العراقيين، لأنه علم أن أميركا لم تكن لتضرب أهدافاً عراقية ومناطق تتشارك إيران والعراق بالسيطرة عليها على الحدود مع سورية لمحاربة «داعش»، لو أن عبدالمهدي اتخذ موقف التحدي المجابه للقرار الأميركي الذي كان من الممكن الرجوع عنه لو هدّد العراق بضربة مماثلة إذا تعرّضت قواته للقصف الأميركي. وهذا أيضاً سبب آخر أعطى ترامب الضوء الأخضر لقتل سليماني لأن الجبهة العراقية أثبتت ضعفها.
لم تسيطر إيران على العراق، كما تعتقد خطأً غالبية المحللين. لقد جهدت أميركا لسنوات طويلة في أروقة القيادة العراقية السياسية، وأكثرهم نشاطاً كان مبعوث الرئيس الاميركي، برت ماكجورك، الذي أدرك هذا الأمر بكل وضوح من خلال محادثتي (كاتب هذه السطور) معه إبان البحث عن رئيس وزراء للعراق قبل تعيين عبدالمهدي، وكذلك الرئيس برهم صالح. وكانت هناك مناقشة واضحة بين سليماني وماكجورك حول هذه المسألة، والاثنان كانا يعلمان أنهما يعملان في رمالٍ متحركة عراقية غير ثابتة على شيء.
ولم يحتج سليماني لإعطاء أوامر لإطلاق صواريخ على القواعد الأميركية أو مهاجمة السفارة. فلو كان الأمر بيده لدمّر هذه القواعد بصواريخ دقيقة ولقلَع السفارة من مكانها وخسف بها الأرض، ولكن العراقيين لهم رأيهم وأساليبهم وفورتهم وبرودتهم بتوقيتٍ يختارونه هم وليس سليماني.
ولم يكن سليماني مُرَحَّباً به يوماً لدى المرجعية العليا في النجف حتى ولو قبلتْ استقباله في أوقات ومناسبات معينة. وكان عمل سليماني يتناقض مع تصوّر المرجعية التي رفضت إعادة انتخاب نوري المالكي لدورة ثالثة على الرغم من إصرار سليماني.
كل ما ذُكر اعلاه يتعلق بالمرحلة التي تلت العام 2011، خروج القوات الأميركية من العراق أيام الرئيس الأسبق باراك أوباما. قبْل ذلك كان أبو مهدي المهندس هو همزة الوصل وصاحب الرؤية والقرار والممثل لسليماني الذي لم يتدخل في التفاصيل.
ويقول قادة «محور المقاومة» ان سليماني - الذي يلقب بالملك - «لم يتعامل يوماً مع محور المقاومة بالإملاءات بل ترَكَ هامش الحركة والقرار لجميع قادة المحور من دون استثناء، وبالتالي فهو كان يُعد قائد المحور الشجاع وليس موجّهه. وكان صلة الوصل بين هذا المحور والمرشد الأعلى السيد علي خامنئي الذي كان يعتبره ولداً من أولاده. وكان باستطاعة سليماني الاتصال بالسيد خامنئي في أي وقت وبالمباشر من دون وساطة».
ويقول هؤلاء إن سليماني «لم يتردد يوماً بالصعود داخل شاحنة أو سيارة عادية أو مروحية أو طائرة نقْل مسافرين أو طائرة شحْن بحسب الحاجة. ولم يتخذ أي تدبير احترازي أمني بل يستخدم هاتفه (المسمى بالجاسوس المتنقل) بكل حرية لأنه اعتقد أن قرار قتْله، حين يصدر، لن يمنعه شيء، خصوصاً أنه كان يردّد دائماً أنه قد عاش طويلاً».

الملفات المضمنة :

لم يتم تضمين اي ملف مع المقال