Print this page
-->

كلهم يا صديقتي، قتلة!

 

جوزف مخلوف

المرصد اونلاين

منذ أن تكون هذا الوطن، ونحن نسمع جملة واحدة مكررة، أنه "قطعة سما"، حتى وصل بنا الأمر وتساءلنا: إذا كانت السماء تشبهه، فبئس هكذا سماء وهكذا وطن. بئس هكذا حياة مجبولة بالخوف على المصير، مصير كل فرد فينا. كلنا، أولئك المؤمنين بوطن طبيعي أسوة بباقي الأوطان، يحلمون به ثم يصحون، كل صباح، على كابوس أسوأ.
لعنة الفساد، غطتها لعنة محاربته، واللغة واحدة أيضا. كلهم فاسدون، وكلهم يتقاتلون على محاربته، أي محاربة أنفسهم، وهذا ما لن يحصل. هي المسرحية الهزلية نفسها، يوم قرروا رؤساء الطوائف، أن ينجبوا سياسيين مدعومين من قبلهم، ويكونوا لهم الغطاء في الحياة العامة، فتحولت هذه البقعة الجغرافية، من قطعة سماء، إلى مرتع جحيم لا ينضب، وما زالوا، دينيين وزمنيين، يلزموننا عنوة، بتصديقهم، تارة بتخويفنا من زيهم الذين أطلقوا على لابسه صفة "المقدس"، وطورا بترهيب الدم والنار ولقمة العيش الفتات التي تركوها لنا.
منذ فترة، طالب الرئيس أفراد الشعب أن يتقدموا ببلاغات قضائية ضد المفسدين، ونسي فخامته أن ملفا واحدا في القضاء، لم يصل إلى نتيجته، طالما أن الجلاد يمسك بعنق الضحية حتى الرمق الأخير، وتناسى أن الفساد مستوطن في المحاكم ووراء جدران قصور العدل وفي الغرف المعتمة، وأن المواطن المهمش، لا يملك في الواقع، ثمن قوت يومه، فكيف له أن يشتكي الجلاد؟ منذ بضعة أيام، طالعتنا وزيرة الطاقة المتبصرة بتصريح اتهمت فيه الشعب بسرقة الكهرباء، واعتبرت أنه سبب ما نعانيه من ظلام منذ ثلاثة عقود، وتناست عن قصد طبعا، أن جحيمنا هو من صنع "دانتي" البترون ومن دار في فلكه، طيلة العقدين الأخيرين. وفي الأمس، أطل "السيد"، (فرد من أفراد المنظومة الدينية الحاكمة)، وطالب كل من يملك أدلة تدين تورط حزبه بالفساد، أن يتوجه بها إلى القضاء فورا، والقضاء حتما هو ممسحة هؤلاء "وشماعة" جرائمهم، على غرار الثوب المقدس. والسؤال المبكي الذي يطفو على سطح الأحداث: من يملك جرأة محاكمة الحزب أو مفسديه؟ وأي قاض فدائي يخاطر ويتفوه بحقيقة الارتكابات التي تحصل؟ فإذا كان الرئيس غير قادر على لجم جماعته، ووزيرة الطاقة قد وقعت على استقالة وزارية قبل تسلمها لمنصبها، و"السيد" رفض قرارات المحكمة الدولية، المدعومة من غالبية الدول العظمى وترساناتها، فمن أي مواطن مهمش تطلبون أن يتخلص منكم؟
كلهم يا صديقتي، فاسدون. كلهم قتلة!

We use cookies to improve our website. Cookies used for the essential operation of this site have already been set. For more information visit our Cookie policy. I accept cookies from this site. Agree