شريط الاخبار:
-->

كأننا نأكل بعضنا بفرح!

 

جوزف مخلوف

المرصد اونلاين


أخذونا إلى الجبهة لكي نموت ولم نمت. الذين ماتوا منّا نصّبوهم شهداء. أمّا نحن، فلقد انكفأنا على أنفسنا وخجلنا من عودتنا إلى أهلنا أحياء.
قالوا: "لا تخجلوا من أنفسكم. انتهت معركة ولم تنته الحرب. ستكونون وقوداً لمعارك مقبلة".
وما هي إلاّ هنيهة حتّى صرخ قائد الفرقة بصوت عال: "كلّ واحد وعُدّته المهلكة بيده". ثمّ فتح كتاباً كبيراً كان بين يديه، وجعل يقرأ: "سيسير في وسطكم رجل لابس الكتّان، وعلى جانبه دواة كاتب.  سيعبر في وسط المدينة وستعبرون في المدينة وراءه وتضربون. لا تشفق أعينكم ولا تعفوا. الشيخَ والشابَّ والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك. ابتدئوا بالرجال الشيوخ الذين أمام البيت. املأوا الدور قتلى. اخرجوا".
خرجنا. على شفاهنا ابتسامات، وفي قلوبنا غضبٌ وحنين إلى الطعن. نُطعَنُ أو نَطعن. نَقتلُ أو نُقتل. وصار لكلّ منّا شبه شكل إنسان وتحته الشكل الكاسر الذي اتّخذناه للتّو عندما اشتعلت في دواخلنا روحُ الحيوان.
سمعنا صوتاً يقول: "نحن اللحم، فتقدّموا". تقدّمنا.
وفي وسطنا "الرجُل اللابس الكتّان الذي الدواة على جانبه".
تقدّمنا. ترنّمت الأرض بخطانا. استبدّت بنا الحماسة. والفضاء ملأناه بالأناشيد. وإذا بيننا رجُل يبكي. فسأله القائد عن سبب بكائه، فقال: "لقد تأخّر الموكب وما عدتُ أحتمل الصبر".
قالوا لنا أن نقتلهم ونقطّع أوصالهم. كذلك قيل لأعدائنا أن يقتلونا ويقطّعوا أوصالنا. قالوا لنا أن نبيدهم. كذلك قيل لأعدائنا أن يبيدونا. وبتنا ليلنا الذي سبق ذهابنا إلى المذبحة ونحن نشعر بفرح عظيم.
ما كنّا نظنّه رملاً وسراباً، صار جيوشاً تتقدّم نحونا. ووجدنا أنفسنا، فجأة، نخوض معركة بالسلاح الأبيض. نطعنهم ويطعنوننا. نتبادل القبلات والشهادة على مقربة منّا، ندركها حيناً وتفوتنا حيناً آخر. كانت دماؤنا تسيل ونضحك من دمائنا. كانت عيوننا تُسحب من عيوننا. وكنّا نعرف ونحن نحارب، أنّ الأقمار تلاحقنا وتنقل هذا الصليل كلّه. وكنّا على يقين من أنّ الجالسين أمام الشاشة الصغيرة ينتظرون منّا الكثير، وينبغي ألاّ نخذلهم، فلا نترك رأساً إلاّ ونحصده، ولا ذراعاً إلاّ ونقطعها من أصلها. وننعم النظر في الجرح بنشوة من ينتشي. وحين تشتدّ حميّة الكرنفال ويصير وقع الحديد على الحديد محرّضاً على الرقص، نرقص حتّى تخور قوانا ونسقط فوق الجثث المشبعة بالعراك. وحين لا يعود ثمّة من نقتله، نبحث في أجساد المقتولين عن بقعة لحم حيّ. نرفع الخراب إلى شفاهنا نشرب نخب الخراب. نُشيد ممالك الجرح والإعصار.
نستبدل المعادلة: نكون أو لا نكون تلك هي المسألة، بمعادلة أخرى: نكون أو لا نكون تلك هي المهزلة.
نتقدّم. كان الخوف الأكبر هو الذي يحمينا من الخوف. كانت رؤية أجسادهم تتحلّل هي التي تمنحنا مناعة ضدّ التحلّل. نقتلهم ونتساءل ما إذا كانت أجسادهم تتّسع لموتنا الكثير. ثمّ نرتدي قمصان الموتى كأنّما هي طريقنا الأجمل إلى الموت.
تنتهي المعركة ولا ينتهي العراك.
طالما أنّ الأنثى تُنجب لا ينتهي العراك.
طالما أنّ الأنثى تنجب نبتكر وسائل جديدة للقتل، أجملها يسجّل صراخ الضحيّة.
أخذونا إلى الجبهة لكي نموت ولم نمُت. طعنونا طعنتَين، ثلاثاً. هاموا بنا. ثمّ أرجعونا إلى أرحام أمّهاتنا.
وَصَلَنا، في ما بعد، أنّ حبيباتٍ يعتمرن قبّعات بكين علينا حتّى لانَ الحجر.
بكين على المزارع قبل أن تتحول إلى وطن. بكين حتى لم يبق لنا مزرعة ولا حتى وطن!

تواصلوا معنا عبر

We use cookies to improve our website. Cookies used for the essential operation of this site have already been set. For more information visit our Cookie policy. I accept cookies from this site. Agree