-->

ماذا سيحصل حكومياً خلال أيام؟

الراي الكويتية


شكّلتْ القمةُ الروحيةُ الإسلامية - المسيحية التي عُقدت أمس، في دار طائفة الموحّدين الدروز في بيروت، تعبيراً واضحاً عن الأبعاد الخطيرة لـ«الاضطراب الوطني» الذي دَهَم لبنان في 30 يونيو الماضي، ومن أبرز تجلّياته تعليقُ جلسات مجلس الوزراء، وسط رهانٍ على «حلٍّ قيصري» يضع حداً للأزمةِ التي وَضَعَتْ على المحكّ انتظامَ عملَ المؤسسات وأنْذَرتْ بتصدُّعاتٍ سياسيةٍ واستقطاباتٍ طائفية أطلّتْ برأسها من بوابة عنوان «مصالحة الجبل» (المسيحية - الدرزية) الذي عاد إلى الواجهة مع «حادثة البساتين» (عاليه) و«صراع الصلاحيات» الذي «أحياه» أخْذ الحكومة رهينةً منذ نحو شهر.

وحَمَلت القمةُ الروحيةُ الجامِعةُ في بيانها الختامي وقبْله في مداخلات رؤساء الطوائف إشاراتٍ «لا لُبْس» فيها إلى حراجةِ «اللحظةِ اللبنانيةِ» والمنزلقاتِ البالغة الخطورة التي يمكن أن تنجرّ إليها البلاد إضافة إلى بعض الخلفيات، التي لم تعُد خافية، للأزمة المستجدّة، مع الحرْص على تقديم ما يشبه «الوصْفة» للحؤول دون تَفَلُّت الوضع الداخلي من «صمامات الأمان» الدستورية والميثاقية التي تحْفظ عيشه المشترك ووحدته الوطنية وسلمه الأهلي.
وكان لافتاً انطلاق البيان الختامي من أن «الوحدة الوطنية التي أرسى ثوابتها اتفاق الطائف تشكل الأساس والضامن لبناء لبنان» ليؤكد «أن أي اساءة للعيش المشترك وخصوصاً في الجبل هي إساءة الى لبنان الفكرة والرسالة»، معتبراً أن «اطلاق وصف الكنز على مصالحة الجبل هو أبلغ تعبير عن أهميتها في أبعادها الوطنية والمعنوية والميثاقية»، ولافتاً إلى أن «المُجْتمعين أعربوا عن ألمهم الشديد لحادثة البساتين التي أدت لتعطيل عمل الحكومة (...) وندعو لإيجاد الحل المناسب والسريع لتستعيد البلاد حياتها الطبيعية (...) وهذه القمة تؤكد التمسك بالثوابت التي أرساها الدستور»، وداعياً المسؤولين «الى الالتفاف حول المؤسسات والاحتكام اليها (...)».
ولم يكن ممكناً فصْل البيان عن «مقدّمات» شكّلها كلام شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز نعيم حسن الذي كان مباشراً بتوجيهه نداءً إلى الرئيس ميشال عون «لمنْع كل ما يناقض صيغة العيش المشترك»، مؤكداً «أن كنز المصالحة يجب أن يكون نهجاً عاماً لكل اللبنانيين بعيداً عن الشحن الطائفي البغيض»، وسائلاً «كيف يكون الاستقرار في ظل عودة الخطاب إلى مآسي الماضي»، في حين لم يقلّ دلالةً موقف مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي أطلق إشارات لافتة انطلاقاً من دعوته جميع السياسيين لأن يلتزموا بنصوص الدستور والطائف (...) وسنقف كمرجعيات دينية سداً منيعاً أمام الالتفاف على نصوص الطائف ونؤكد الحفاظ على الصلاحيات الدستورية للرئاسات الثلاث، مؤكداً ان رئيس الحكومة سعد الحريري «لن يفرط بصلاحياته الممنوحة له دستورياً ونحن جميعاً وأنا بالأخص إلى جانبه في المحافظة على هذه الصلاحيات».
وفيما اكتسبَ انعقادُ القمة في دار طائفة الموحّدين الدروز رمزيةً خاصة في ظلّ دعْم هذه المرجعية لزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي يَعتبر أن ثمة قراراً من أطراف محلية وإقليمية لاستخدام «حادثة البساتين» منصة لـ«الاقتصاص منه» تحت عنوان الإصرار على إحالتها على المجلس العدلي والتصويت على ذلك داخل الحكومة وفق ما يَتَمَسَّك به النائب طلال أرسلان مدعوماً من «حزب الله» وفريق عون، فإنّ البيان الختامي بدا بمثابة دفْعٍ للجهود الرامية إلى إيجاد مَخْرج «لا مغلوب» فيه، يفكّ أسْر الحكومة ويعيد تصويب البوصلة داخلياً نحو المخاطر المالية والتحديات الخارجية.
وكانت بيروت أمس شهدت ما يشبه «الوقت المستقطع» بين المبادرات لكسْر المأزق الذي يعبّر عنه الإصرار الحاسم من أرسلان على مطلب «العدلي» باعتبار أن ما حصل في 30 يونيو «هو محاولة اغتيال أقلّه للوزير صالح الغريب (من حزب أرسلان وسقط اثنان من مرافقيه)» في الاشتباك مع مناصرين لجنبلاط (خلال وقفة احتجاجية على زيارة للوزير جبران باسيل لبلدة كفرمتى)، مقابل رفْض جنبلاط القاطع للتصويت «فهذه بدعة لا مثيل لها، وبالأساس نرفض الأحكام العرفية المُسْبَقة من أي جهة كانت»، مؤكداً «وحده التحقيق يقرر مسار الاتجاه بعد تسليم المتهَمين من الفريق الآخر».
وبين هذين الحدّيْن المتقابليْن، تجري محاولاتُ ابتداع حلولٍ وبينها «التصويت السري» في مجلس الوزراء، وفق هنْدسةٍ يُراد لها أن تضمن «التعادل السلبي» الذي يُسْقِط عملياً مطلب «العدلي» لتبقى قضية «البساتين» تالياً في عهدة المحكمة العسكرية، وهو ما بدا أن جنبلاط يصوّب ضمناً عليه.
علماً أن «سلّة الاقتراحات» التي ما زالت تعترضها «فيتوات» تتضمّن صيغاً أخرى بعضها «مستور» وبعضها الآخَر معروف ومنه فصْل مسار الحادثة عن جلسات مجلس الوزراء، أو «ابتكار» صيغة لطرْحها على الطاولة، كمادةِ نقاشٍ لا كبندٍ، ومن دون التسبب بـ«تفجير» الحكومة.
وفي حين ستشكّل الأيام الفاصلة عن مطلع الأسبوع المقبل «وقتاً إضافياً» في إطار السعي للوصول إلى مَخارج قبل ان تدخل البلاد في أجواء عطلة الأضحى وتنزلق الأمور إلى «أزمة حُكم»، شكّل حسْم رئيس الجمهورية قرارَه المعروف بتوقيع قانون موازنة 2019 لنشْره إشارةً إيجابية في سياق تفادي أي انعكاسات سلبية لعدم التوقيع على صورة لبنان خارجياً، كما في إطار تلافي إضافة «طبقة جديدة» من التعقيدات إلى الأزمة الحكومية.

تواصلوا معنا عبر

We use cookies to improve our website. Cookies used for the essential operation of this site have already been set. For more information visit our Cookie policy. I accept cookies from this site. Agree