-->

أبعد من "ترويقة" .. أقرب إلى "تحالف"!

عبدالله قمح

على ضفتي الوزير جبران باسيل واللّواء عباس إبراهيم تقوم علاقة ملؤها تأرجح. هي علاقة رجل السّياسة ورجل الأمن، أي ما يحكمها هو الإلتباس دوماً وتخضع لآليات خاصة، وتتبع سياسة المتغيرات بحكم الظروف وربما المصالح. علاقة ثنائية لم يقدر لها الثبات في الفترات السابقة. شهدت هبوطاً وصعوداً في أكثرِ من مناسبة.. لكن تبقى دائماً المصالح أقوى من أي إعتبارات أخرى.

المراقبون لطريق بعبدا، شهدوا دوماً على زياراتِ "حكيم الجمهورية" إلى القصر. زيارات اندرجت في خانة "المهام المستحيلة" التي يوليها رئيس الجمهورية إلى مبعوثه للعمليات الصعبة، لكن بين تلك الزيارات كانت تأتي أخرى على شكل "شكاوى" دأب اللّواء على تمريرها إلى الرّئيس، حول أدوار "حرتقة" كان يقوم بها "صهره" القابض على فائض قوة هائل.


في إحدى المرّات وخلال خوض "اللّواء" في التنقيب عن مخارجٍ لعقدة تشكيل الحكومة "الحريرية" الثّالثة التي توقفت عند نقطة تمثيل "اللقاء التشاوري"، بدت عليه مظاهر الإمتعاض الشديد، حين قرّر باسيل "تطيير" مسعاه المتمثل بتأمين توزير آمن لجواد عدرة، فجاء باسيل يومها محملاً بكوكبة شروط، على رأسها تلقيح "جينات" المرشح بنماذج "برتقالية"، ما لم يهضمه أعضاء "التشاوري" الذين طالبوا بـ "صفاء النسل" فطار المسعى عند رفض عدرة وسقطت مبادرة "اللّواء" الذي اعتكفَ حتى ولادة الحُكومة.

وكان قد سبق هذه، محاولة إنزال ناجحة تمكنَ خلالها اللّواء إبراهيم من "سلبِ" باسيل مقدرات مسعاه الذي كان يدور حول إتصالات قادها من أجل بلورة تصور واضح لجهة كيفية حل عقدة توزير "التشاوري"، ناجحاً في نيلِ تفويضٍ رئاسي مقابل لتفويض باسيل.. وهكذا تمكَن من "وراثة" مسعاه ومضى في إتجاهِ إستنباط الحلول. من راقبَ جولات تلك المرحلة خَلُصَ إلى وجود "تنافس" بين الرجلين على الظفرِ بتمثيل "خط" بعبدا.

الفعل نفسه انطبقَ على مرحلة التنقيب على قانون إنتخابات جديد. شهدت تلك المرحلة على بورصة أرقام، فحين كانت ترتفع أسهم "اللواء" التفاوضية كان يقابلها تهاوٍ لأسهم باسيل والعكس صحيح، إلا أن إنتهى الأمر ببلورة قانون إنتخابات فُصّلَ على قياس القيادات جميعاً.

وكانت في خضم تلك المرحلة، ترتفع نشاطات التعاون والتنسيق بين الوزير باسيل والوزير علي حسن خليل، اللذان خاضا جولات طويلة من المباحثات حول شتّى صنوف مشاريع وإقتراحات قوانين الإنتخابات، حتى أنهما خاضا في مرحلةٍ ما، اشكالاً حول نمط التعاون الذي يمكن إرسائه لاحقاً بين التيار الوطني الحر وحركة أمل، ما جعل بأحد المراجع يومها إلى وصف علاقة الرجلين بأنها "نواة تأسيسيّة بين رئيس جمهورية مقبل ورئيس مجلس نواب مقبل"، وهذه سبقت الفيديو الشهير في بحرمش.

وقد إحتكم أكثر من مراقب سياسي إلى هذه العبارة بالذات، وجعلوها مقياساً دائماً يرصد حرك باسيل تجاه "الشيعة الكبار". حيثُ أن "صهر العهد" لا يُمكنه أن يحقق تطلعاته الرئاسية المشروعة إلا إذا أسس لقاعدة تعاون ذات بعد طائفي تمثل الأقوياء في طوائفهم. وعلى يمينه أسس لتعاون طويل الأمد مع ممثل السنة سعد الحريري، وعلى يساره يحتاج إلى ضلع شيعي في السّياسة يحمل وصفات سياسية لا عسكرية، بحث عنها في "حسن خليل" قبل أن يغادرها نتيجة الظروف.. فهل يبحث عنها اليوم عند اللّواء؟

في ظلِ خوض كل المغامرات آنفة الذكر، كان يتضح أكثر فأكثر، للواء كما للوزير، أن القواسم التي تجمعهما أكثر من تلك التي تفرقهما، ثم أن التعاون، كلٌ من موقعه، قد يدر إيجابيات ومنافع، سياسية، قد لا يتسنى الحصول عليها في حالِ كان التسابق عنواناً للعلاقة. من هُنا كانت الإنعطافة التي أتت بعد سيلٍ من التسريبات المتبادلة، الصحافية وعبر جيوش تويتر.

كثر يتحدثون عن مشاريعٍ سياسية مشروعة يحيكها اللّواء إبراهيم بعناية أيضاً. أصلاً هو في مستهل مشواره السّياسي، وهو مرشح طبيعي للخوض في مستويات سياسية أبعد، وأساساً هو في عمر يسمح له، ولعل أكثر المتحمسين، يتنبؤون بمكانة عظيمة للواء في قادم الأيام، معنى ذلك أن باسيل يحتاجُ لمثل قوة هذا الشخص، وحقيقية القوة مصطلح لمصلحة متبادلة بين الجانبين.

من هُنا، لا يمكنُ فصل قضاء باسيل ليلة سبتٍ في منزل اللّواء بـ"كوثرية السّائد" عن سياق ترتيب العلاقة بين الجانبين، التي تحتاجُ إلى بناء وشد مداميك على المستوى الشخصي بالذات.

قيل يومها الكثير عن سر إختيار باسيل لمنزل اللّواء إبراهيم حصراً لينطلق منه في مشوار جولته الجنوبية في اليوم التالي (الأحد)، علماً أن هناك منازل سياسية لا تقل شأناً، وصُدف انها كانت منهمكة في الإعداد لعزائم وولائم متجاهلةً تطور الظروف من حولها، وكانت تصنَف في قائمة المحببة إلى قلب باسيل خلال خوض ورشة الإنتخابات! وثمّة من غمز إلى وجود خطط سابقة للمبيت في مضارب آل إبراهيم تعود إلى شهور مضت، رغم ظن هذا الفريق بالذات أن الدعوة "بنت ساعتها"، وهذا أتى في معرض تفسير رسائل تلك اللّيلة وإستطراداً "ترويقة" الصباح القروية.

لكن الجانب العميق وجد فيها رسالة ما قصد توجيهها إلى "أبوابٍ سياسية" مفترضة في المنطقة، نشأت مع تكون حالاتها الآخذة بالنمو كفعل طبيعي يستمد قوته من الدور والمرجعية، وكأن فطور الأحد إنطوى على رسالةٍ عنوانها: "الجنوب له باب من الكوثرية".

تواصلوا معنا عبر

We use cookies to improve our website. Cookies used for the essential operation of this site have already been set. For more information visit our Cookie policy. I accept cookies from this site. Agree