شريط الاخبار:

جنبلاط نحو معارضة شرسة للعهد؟

الراي الكويتية

شّكلتْ «الجرعة التفاؤلية» التي ضخّها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة حول الانعكاسات الايجابية لتشكيل الحكومة الجديدة على الأسواق المالية، إشارةً إلى الرهان الكبير الذي يُعوَّل عليه في بيروت على أن تكون البلاد دخلتْ مرحلة الخروج من «الحفرة» الخطيرة التي كانت وقعتْ فيها على مدار ثمانية أشهر ونيف.
وجاء إعلان سلامة بعد زيارته رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أنه «بعد تشكيل الحكومة أصبح الدولار معروضاً بالسوق المحلية لشراء الليرة اللبنانية، وهذا يعيد تعزيز دور العملة الوطنية في الادخار، كما شهدتْ أسعار سندات اليورو بوندز دولياً ارتفاعاً ما أعاد الى هذه الأسعار زيادة نسبتها 10 في المئة قياساً الى الأسعار التي كانت بلغتْها»، قبل ساعاتٍ قليلةٍ من إنهاء اللجنة الوزارية صوغ مسودّة البيان الوزاري للحكومة التي يفترض أن تقرّه خلال الساعات الـ48 المقبلة لتنال على أساسه ثقة البرلمان الأسبوع المقبل.
وتعكس السرعة بإنجاز صيغة البيان الوزاري وجود قرارٍ سياسي بتلقُّف الدفع الذي شكلتْه ولادة الحكومة  لـ«تثبيتِ» دعائم خريطة طريق النهوض الاقتصادي - المالي التي لبَّ المجتمعُ الدولي بناءً عليها دعوة لبنان لمُساعدتِه في مؤتمر «سيدر 1» استناداً لإصلاحاتٍ تعهّدتْ بيروت القيام بها وتبقى «تحت المجهر» الخارجي تماماً كما التوازنات السياسية التي رستْ عليها التركيبة الحكومية والتي تُعتبر «المقياس» لمدى حفاظ الوضع اللبناني على «مناعةٍ» ضدّ السقوط الكامل في المحور الإيراني.
وتوقفت أوساطٌ سياسية عند اتجاه البيان الوزاري الى صياغات «حمّالةٍ أوجه» في موضوع الموقف من الأزمة السورية وسلاح «حزب الله» وعنوان «المقاومة» ستكون «نسخة طبق الأصل» تقريباً عن بيان الحكومة السابقة، الى جانب تكرار شعار «النأي بالنفس» عن صراعات المنطقة، معتبرة أن هذا يعبّر عن استشعار غالبية الأطراف مخاطر أي تظهيرٍ لواقع لبنان على أنه تفلَّت من الضوابط التي تُعتبر مرتكزاً لإبقاء مظلّة الدعم الدولية له ولا سيما في لحظة مفصليّة على صعيد الضغوط الغربية على إيران والتي يشكّل «حزب الله» جزءاً لا يتجزأ من أهدافها.
وإذ تعاطتْ هذه الأوساط مع كلام الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله (أول من أمس) والذي بدا محمَّلاً بالرسائل الى الخارج قبل الداخل ولا سيما جزْمه بأن هذه «ليست حكومة حزب الله» على أنه يعكس استشعار الحزب بدقّة المرحلة خارجياً وعدم رغبته في «جلب الدبّ الى كرْمه»، اعتبرت أن نقْل «الصراع» الذي انفجر بين كل من رئيس الحكومة سعد الحريري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط الى «الغرف المغلقة» يؤشّر بدوره وإن من زاوية مختلفة إلى إدراك الأخيريْن أضرار ترْك السجال «الناري» يأخذ مداه على صورة «الجبهة» التي يتعاطى معها الخارج على أنها عنصر التوازن مع «حزب الله» وحلفائه والتي ترتكز على «سيبة ثلاثية» تضمّ الحريري وحزب «القوات اللبنانية» وجنبلاط.
وإذا كان صراع الحريري - جنبلاط ينطلق من شعور الأخير بمحاولة لمحاصرته بدأت منذ الانتخابات النيابية واستُكملت في تشكيل الحكومة، فإن الأوساط ترى أن ردّ رئيس الحكومة بنبرة عالية بدا انعكاساً لقرار يشكّل عون جزءاً منه بعدم الرغبة في فرْملة مسار «سيدر» وإصلاحاته، وهو ما غمز من قناته نصر الله بدعوته لعدم «التهويل» وتأكيد ضرورة النقاش في الملفات «في حال امتلك طرف مشروعاً ويريد للآخرين أن يتبعوه».

ويرى مراقبون أن تدهور العلاقة بين جنبلاط والحريري اللذين كانا في الأمس القريب ضمن حلف واحد "14 آذار" ليس وليد الأيام الماضية، لجهة العرض الذي قدّمه الأخير للحزب التقدمي بالتنازل عن حقيبة الصناعة لفائدة التيار الوطني الحر، بل مفاعيل هذا التوتر تعود إلى انطلاقة المشاورات بشأن تشكيل الحكومة.

حيث أن الزعيم الدرزي كان ينظر بارتياب إلى مدى تأثير رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، على الحريري، فقد اصطف معه في عدة محطات في مسيرة التشكيل الشاقة، فيما فضل الحياد في محطات أخرى منها حينما تعرض جنبلاط لضغوط قوية يقف خلفها باسيل بشأن توزير النائب الدرزي طلال أرسلان، للحيلولة دون احتكار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي للصوت الدرزي داخل الحكومة، رغم حصده للأغلبية المطلقة من الأصوات في المناطق ذات الأغلبية الدرزية في الانتخابات النيابية الأخيرة.

واضطر جنبلاط في النهاية إلى التنازل والقبول بتوزير درزي من خارج عباءته ليفاجأ في ما بعد أن هذا الوزير هو صالح الغريب المحسوب على أرسلان والذي له صلة قرابة مباشرة بشيخ العقل الدرزي نصرالدين الغريب المقرّب من "المير".

وكانت المفاجأة الثانية بالنسبة إلى جنبلاط إسناد حقيبة دولة لشؤون النازحين للغريب الأمر الذي أثار حفيظة جنبلاط، واصفا الوزير الجديد بأن "لونه سوري" في خشية بدت واضحة من أن الغريب سيكون المدخل لتطبيع حكومي تدريجي للعلاقات مع نظام بشار الأسد عبر ملف النازحين، الذين سبق وأشار الحريري قبل أيام إلى أنه لن يخصص أموالا لهم في الموازنات القادمة.

وخلف الغريب في هذا المنصب معين المرعبي المنتمي إلى تيار المستقبل والذي كانت له مواقف رافضة بشدة لأي تعاط مع الحكومة السورية، سواء في ملف النزوح أو غيره، مصرّا على ضرورة أن يكون التنسيق حصرا مع الأمم المتحدة في ما يتعلق بعودة النازحين.

ويرى متابعون أن تعيين الغريب في هذا المنصب يشي باستدارة في الحكومة الجديدة حيال التعاطي مع الملف السوري، تتماهى وسياسة التيار الوطني الحر، كما تتقاطع وأجندة حزب الله، وذلك أحد أسباب "انتفاضة" جنبلاط.

ويقول المراقبون إن الأمر لم يقف عند هذا الحد بالنسبة لجنبلاط فقد أصرّ رئيس التيار الوطني الحر على أن يكون وزير الدولة الجديد لشؤون النازحين ضمن اللجنة المكلّفة بصياغة البيان الوزاري في سابقة من نوعها، حيث أنه في السابق كان أحد الوزراء الذين يختارهم رئيس التقدمي الاشتراكي الممثل الوحيد للدروز في اللجنة.

ويشير المتابعون إلى أن "وليد بيك" يعتبر أن الحريري خذله عدة مرات سواء حين قبل بقانون انتخابي فتح المجال أمام خصومه لمزاحمته في الساحة الدرزية، أو حينما لم يتصدّ لمساعي ضربه حكوميا.

ويرجّح المتابعون أن يكون جنبلاط خصما شرسا داخل الحكومة، غير مستبعدين انضمام قوى أخرى على غرار القوات اللبنانية التي تعرضت هي الأخرى لمحاولات تحجيمها من قبل التيار الوطني الحر.

ويبقى الثابت أن العهد سيكون ساخنا في ظل تحالفات جديدة قيد التشكل.

تواصلوا معنا عبر

We use cookies to improve our website. Cookies used for the essential operation of this site have already been set. For more information visit our Cookie policy. I accept cookies from this site. Agree