أخبار محلية

المعابر تحت النار.. تحضروا لتوسيع المعركة

في الساعات الفاصلة عن جولة جديدة من التصعيد، بدا لبنان أمس وكأنه يعيش على إيقاع عدٍّ تنازليّ مفتوح نحو مفاجآت إسرائيلية موعودة، وسط تهديدات مباشرة من تل أبيب بـ”ردّ مزلزل“ على حزب الله، وترجمة ميدانية سريعة لهذه اللغة عبر قصف المعابر والجسور على نهر الليطاني وتوسيع بنك الأهداف من الجنوب إلى البقاع وبيروت وصيدا. وفي بلد ناهز عدد قتلاه الألف، لم يعد السؤال ما إذا كانت الحرب ستتسع، بل إلى أي حدّ ستذهب إسرائيل في رفع منسوب النار، وإلى أي مدى يستطيع لبنان الرسمي البقاء داخل هامش المبادرة قبل سقوطه بالكامل تحت منطق الميدان.

المعابر تحت النار… إسرائيل تقطع الجغرافيا قبل توسيع المعركة

أخطر ما حمله المشهد لم يكن فقط في التهديدات الإسرائيلية، بل في طبيعة الأهداف التي اختارتها تل أبيب. فالإنذار الذي أطلقه أفيخاي أدرعي بشأن استهداف المعابر والجسور على نهر الليطاني لم يكن مجرد رسالة تكتيكية، بل إعلان نية واضح لعزل جنوب الليطاني ميدانيًا وخنق خطوط الحركة والإمداد والتنقل. وعندما استُهدفت العبارة الاحتياطية في برج رحال وجسر الكينايات في القاسمية، ظهر أن إسرائيل انتقلت من سياسة ضرب المواقع إلى سياسة تفكيك البنية الممرّية للميدان الجنوبي.

هذا التطور يحمل دلالة مزدوجة: أولًا، أن إسرائيل تتعامل مع الجنوب كساحة عمليات مفتوحة قابلة لتوسيع الهجوم البري أو لتشديد الحصار الناري؛ وثانيًا، أن الضغط لم يعد موجّهًا فقط إلى حزب الله، بل إلى البيئة المدنية نفسها، عبر فرض وقائع نزوح إضافية وتضييق حركة السكان وربط حياتهم اليومية بقرارات الجيش الإسرائيلي وإنذاراته.
المبادرة اللبنانية معلّقة… وعون يتمسّك بما تبقّى من السياسة

في المقابل، بدا المسار السياسي أشبه بمحاولة تثبيت آخر خيط دبلوماسي قبل الانهيار الكامل. تمسّك الرئيس جوزاف عون بمبادرته حول المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لوقف الحرب، مع حرصه على التوافق الداخلي، يعكس إدراكًا واضحًا بأن لبنان الرسمي يريد انتزاع ملف الحرب من يد الميدان وإعادته إلى طاولة الدولة. لكن الوقائع التي أوردها وزير الثقافة غسان سلامة كشفت حجم المأزق: إسرائيل ترفض وقف إطلاق النار، التفاوض متعثر، والحكومة لا تملك قناة مباشرة مع حزب الله، فيما قرار الحزب بدخول الحرب جاء خارج إطار الاستشارة الحكومية.

هنا تكمن العقدة الأخطر: الدولة اللبنانية تتحدث بلغة وقف النار، فيما الحزب يقاتل بلغة الارتباط الإقليمي. وبين المسارين، يتقلص دور الحكومة إلى إدارة تداعيات الكارثة بدل التأثير في أسبابها. لذلك، فإن مبادرة عون، رغم أهميتها، تصطدم بجدارين: جدار إسرائيلي يرفض التهدئة، وجدار داخلي عنوانه أن قرار الحرب لم يعد قرار الدولة أصلًا.
بارو إلى بيروت… فرنسا تحضر حين تعجز البنادق عن الحسم

زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إلى بيروت اليوم لا تبدو زيارة روتينية، بل محاولة إنقاذ دبلوماسي في لحظة الانفجار. لكن ما قاله جان إيف لودريان قبلها اختصر المشهد بوضوح: لا يمكن للحكومة اللبنانية نزع سلاح حزب الله تحت القصف، ولا إسرائيل نجحت أصلًا في تحقيق هذا الهدف بالنار. هذا الموقف الفرنسي يعني أن باريس لا تزال تراهن على التفاوض، لكنها في الوقت نفسه تعترف ضمنيًا بأن الرهان العسكري الإسرائيلي لم يحقق حسمًا استراتيجيًا حتى الآن، رغم اتساع التدمير.

غير أن السؤال يبقى: هل تأتي فرنسا بمبادرة قابلة للحياة، أم بمجرد إدارة دولية للأزمة بانتظار نضوج تفاهم أكبر بين واشنطن وتل أبيب وطهران؟ حتى اللحظة، المؤشرات لا توحي بأن بارو يحمل اختراقًا، بل رسالة احتواء مؤقتة في زمن الانفلات.

لبنان الرسمي يطلب الوحدة… فيما الحرب تكشف هشاشة الداخل

في موازاة النار، برز الاجتماع الأمني في بعبدا كإشارة إلى خشية الرئاسة من تمدّد الحرب إلى الداخل الاجتماعي والسياسي. دعوة عون إلى خطاب وطني تضامني ونبذ الطائفية ليست تفصيلًا، بل اعتراف بأن الخطر لم يعد عسكريًا فقط، بل بات يهدد النسيج اللبناني نفسه، خصوصًا مع اتساع النزوح، وتزايد الضغط على مراكز الإيواء، وارتفاع منسوب الاحتقان والخطابات التحريضية.

الرسالة هنا واضحة: الدولة تخشى أن تصبح الحرب الخارجية مدخلًا إلى فتنة داخلية. لكن المشكلة أن الدعوة إلى التضامن، مهما بدت ضرورية، تبقى محدودة الأثر إذا لم تُرفق بقرار سياسي جامع يعيد تعريف من يملك قرار الحرب ومن يملك قرار التفاوض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى