أبرز الأخبار

تحضروا لبنان أمام سيناريو غزة…التدمير الممنهج والإخلاءات القسرية

إسرائيل تكرر نموذج غزة في لبنان، هذا ما تدل عليه كل المؤشرات، من الإخلاءات والتهجير إلى الإصرار على التدمير الممنهج للقرى والبلدات في الجنوب والضاحية والبقاع. ما تريده إسرائيل أيضاً يمكن أن يصل إلى حدود ما وصلت إليه في العام 1982، فهي تريد إقامة منطقة عازلة في الجنوب، وبدأت تتدرج في الشروط التي تفرضها وصولاً إلى حد المطالبة ليس فقط بنزع سلاح حزب الله بل بتفكيك الحزب وإنهائه عسكرياً وسياسياً من خلال التشديد مع الولايات المتحدة الأميركية على “تصنيف الحزب منظمة إرهابية” وحظر كل أنشطته، وفق الرسائل التي تبلغها المسؤولون اللبنانيون. تشبه المطالب إلى حد بعيد تلك التي فرضتها تل أبيب على حركة حماس مع بداية حرب غزة.

خديعة غزة

كل الكلام عن المفاوضات، يبدو أنه سيكون نوعاً جديداً من الخديعة الإسرائيلية التي اعتمدت نفسها في غزة سابقاً، وتهدف منها إسرائيل إلى كسب الوقت وإلهاء الدولة اللبنانية ومحاولة إشغال الحزب، بينما تواصل عمليتها العسكرية التي أصبحت بالتأكيد تتجاوز المطالبة بنزع السلاح لتكريس واقع سياسي جديد. ذلك ما يضع لبنان أمام أسئلة كثيرة حول اليوم التالي للحرب: كيف سيخرج منها وما هي التوازنات، وما سيكون عليه حجم التدخل الإسرائيلي؟ يبقى الوضع اللبناني أخطر بكثير من وضع غزة، خصوصاً بفعل وجود قوىً سياسية ومكونات مختلفة، وهذا ما ينذر بتطاير الشرر بغض النظر عمّا ستكون عليه نتيجة الحرب، لا سيما في ظل فقدان أيّة رؤية سياسية للخروج من هذا المأزق، وبسبب عدم توفير الحد الأدنى من التوافق السياسي الذي يمكنه أن يحفظ هذا البلد.

مجلس لبناني- إسرائيلي

تسعى إسرائيل إلى إلحاق الهزيمة بلبنان سواء بالمعنى العسكري وبكل الضغط الدولي الذي تمارسه، أو من خلال المفاوضات. بينما سارع بعض اللبنانيين من المسؤولين إلى المطالبة بـِ “الحماية الدولية” ليبدو ذلك كأنه مشابه للمجلس الذي أريد له أن يدير غزة، في مرحلة ما بعد “تفكيك حماس” ومنعها من تسلّم السلطة هناك، وهو ما يريد كثر في لبنان استنساخه من خلال رفع شعار عدم السماح بتمثيل حزب الله سياسياً، وكانت إسرائيل قد استبقت الحرب بتسريب الكثير من شروطها ورؤيتها حول كيفية التعامل مع لبنان، من خلال اقتراح مجلس مدني لبناني- إسرائيلي يشرف على إدارة الوضع في الجنوب برعاية أميركية، واستبقت ذلك أيضاً مع واشنطن بإنهاء مهام قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب، اليونيفيل.

3 خطوط

ووفق مناقشات إسرائيل مع الأميركيين سابقاً، على ما تكشف مصادر ديبلوماسية، أرادت تقسيم جنوب لبنان إلى ثلاثة خطوط: الخط الأول هو الخط الأزرق الذي تجاوزته إسرائيل بعمليتها العسكرية منذ العام 2024. والخط الثاني، وهو الذي سيطلق عليه “الخط الأحمر”، هو عبارة عن الخط الأمني الذي تريد فيه إسرائيل أن يكون لها وجود عسكري وأمني على الأرض أو من خلال معدات وآليات عسكرية أو روبوتات. وهذا الخط سيكون متعرجاً ويمتد عبر النقاط التي ستحتلها، انطلاقاً من النقاط التي بقيت تحتلها منذ حرب العام 2024 وأقامت فيها منشآت وتحصينات. وأما الخط الثالث والأهم، فهو الخط الذي يطلق عليه الإسرائيليون “الخط ذا الاهتمام”، وسيعرف لاحقاً بالخط “الأخضر”، وهو عملياً المنطقة العازلة أو المنطقة الاقتصادية التي تريدها الولايات المتحدة الأميركية. وستكون هناك شروط يخضع لها الذين سيقيمون فيها أو يدخلون إليها، علماً أن هذا الخط سيشمل مناطق واسعة بما فيها مناطق سكنية قد لا يسمح للسكان بالعودة إليها، بينما لبنان يشترط مسألة عودة السكان ووقف الاعتداءات.

التطبيع

بالاستناد إلى العملية العسكرية والاجتياح البري تريد إسرائيل أن تفرض على لبنان اتفاق سلام أو تطبيع، أو بالحد الأدنى اتفاقاً أمنياً تطالب بموجبه بحرية الحركة الدائمة عسكرياً وأمنياً واستخدام الأجواء اللبنانية لتنفيذ أيّة عملية في أيّة دولة مجاورة، إضافة إلى تشكيل لجنة عسكرية وأمنية مشتركة لإدارة الوضع في الجنوب وذلك لا يقتصر فقط على الجانب الأمني، بل اقتصادياً أيضاً، لا سيما في ظل إعادة الإسرائيليين لتحريك ملف الحدود البحرية وإلغاء الاتفاق الذي جرى توقيعه في العام 2022، أو أن الحفاظ عليه سيكون مرتبطاً بقبول لبنان بشروطها، وهي الدخول ضمن تحالف دول شرق المتوسط مع قبرص واليونان، وأن يكون الغاز اللبناني لاحقاً مرتبطاً بالغاز الإسرائيلي.

اليوم التالي

تذهب تل أبيب في مشروعها أبعد من ذلك، فهي تريد للبنان أن يصبح دائراً في الفلك الإسرائيلي وتدفعه إلى السلام أو التطبيع، وهي من خلال عمليتها العسكرية تريد أن تحدث تغييراً سياسياً في الوجهة اللبنانية، وهذا ما يعني الوصول إلى نوع من الوصاية السياسية تحتفظ من خلالها بالتدخل بالشؤون الداخلية وبكيفية إعادة تشكيل السلطة.

يجد لبنان نفسه وحيداً في مواجهة هذه الحرب حتى الآن، بينما يبحث عن نوع من مظلة إقليمية أو دولية يمكنها حمايته، وهو ما يفترض أن يسعى إليه انطلاقاً من الداخل بتوحيد الرؤية والموقف لكيفية التعاطي مع المرحلة المقبلة ومواجهة هذا المشروع، ويمتد للبحث في علاقات تكامل أمني وعسكري واقتصادي مع دول عربية وإقليمية، لأن اليوم التالي للحرب، سيكون عبارة عن أزمة متشعبة على مستويات مختلفة، عسكرياً، أمنياً، مؤسساتياً، سياسياً واقتصادياً، وهذه كلها تساهم في احتمالات تفجير الوضع الداخلي برمّته.

منير الربيع – المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى