أبرز الأخبار

خامنئي على خطى نصرالله

نداء الوطن

أطل أمس الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ساعة متأخرة من ليل الشرق الأوسط ليردّ على تقارير تفيد بمقتل الزعيم الأعلى الإيراني علي خامنئي، قائلًا: “نعتقد أن هذه الرواية صحيحة”. وأضاف: “معظم الأشخاص الذين يتخذون كل القرارات (في ايران) رحلوا”. بدوره انتظر مسؤول إسرائيلي كبير حتى منتصف الليل بتوقيت طهران لكي يبلغ رويترز أن خامنئي قُتل في غارات إسرائيلية وأميركية.

تعيدنا وقائع يوم 28 شباط 2026، أي يوم أمس إلى 27 أيلول 2024 عندما اغتالت إسرائيل جوًّا زعيم “حزب الله” التاريخي حسن نصرالله بالطريقة نفسها التي اغتالت بها أمس خامنئي.
سيأتي وقت لكي يتبيّن أن “حزب الله” وما حلّ به في لبنان كان بروفة للنظام الإيراني الذي أسسه الإمام الخميني عام 1979 وما حلّ به عام 2026. وبدا مشهد الدمار الذي لحق أمس بمقر المرشد خامنئي الحصين في ناحية من نواحي طهران شبيه بمقر نصرالله الحصين في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت بعد الغارة الإسرائيلية التي طاولته قبل أكثر من عامين.
كما سيأتي وقت ليتبيّن أيضًا أن هدف النيل من خامنئي كان أولوية الأولويات في الحرب الجديدة التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل معًا . ويمكن التكهن بأن توقيت الحرب كان مرتبطًا بمعلومات مؤكدة حول مكان وجود خامنئي كي تنطلق الحرب وإلا لما كانت الحرب قد وقعت أمس.
يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أنهى ولايته الرئاسية الأولى بعام 2020 باغتيال قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بأن يدشن ولايته الرئاسية الثانية بتصفية رأس النظام الإيراني نفسه الذي انتج سليماني ونصرالله وغيرهما كثيرين ممن طبعوا الشرق الأوسط بنفوذهم من قريب أو بعيد.

إذا اخذنا لبنان مثلًا، يتبيّن أن التغيير الكبير الذي شهده هذا البلد ولا يزال ارتبط بنهاية نصرالله. وعلى ما يبدو جليًا، أن مصير إيران، والتغيير الذي بدأت تتحضر له، مرتبط برحيل “الديكتاتور” كما هتف متظاهرو ايران الشهر الماضي وسقط في صفوفهم آلاف برصاص نظام خامنئي.
في سياق الحدث التاريخي، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليل السبت إن هناك مؤشرات كثيرة على أن خامنئي ربما قُتل في هجمات إسرائيلية وأميركية على إيران. وأضاف نتنياهو في بيان مصوّر “دمّرنا هذا الصباح مجمّع الطاغية خامنئي”، مشيرًا إلى أنه على مدى أكثر من 30 عامًا كان خامنئي قد “نشر الإرهاب عبر العالم وجعل شعبه بائسًا وعمل باستمرار وبلا كلل على برنامج لإبادة دولة إسرائيل”.
وتابع قائلًا “هناك مؤشرات كثيرة على أن هذا الطاغية لم يعد موجودًا. قضينا هذا الصباح على مسؤولين كبار في نظام آيات الله وقادة في الحرس الثوري وشخصيات كبيرة في البرنامج النووي وسنواصل القيام بذلك. في الأيام القليلة المقبلة، سنقصف أهدافا أخرى لهذا النظام الإرهابي”.
تبنى نتنياهو اغتيال خامنئي وازاح عن كاهل ترامب المسؤولية وربما بطلب من الأخير نتيجة تبعات هذا الزلزال الذي لا تريد الولايات المتحدة أن تقول إنها تسببت به حرفيًا لكنها عمليًا، وفي زمن ترامب، هي صاحبة الفضل الأول فيه. واكتفى الرئيس الأميركي بالقول إن الضربات أمس هدفت إلى إنهاء تهديد أمني وضمان عدم تمكن إيران من تطوير سلاح نووي. ودعا ترامب قوات الأمن الإيرانية إلى إلقاء أسلحتها، كما دعا الإيرانيين إلى الإطاحة بحكومتهم بمجرد انتهاء القصف.
واظهرت الحصيلة الأولى من الحرب في يومها الأول مقتل 7 مسؤولين وقادة إيرانيين بينهم علي شمخاني مستشار الزعيم الأعلى، ووزير الدفاع أمير ناصر زاده وقائد الحرس الثوري محمد باكبور في الهجمات الإسرائيلية. واعترف مصدر إيراني مقرب من المؤسسة بمقتل عدد من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني ومسؤولين سياسيين. كما أفاد مصدر مطلع بأن الموجة الأولى من الغارات، التي أطلق عليها البنتاغون اسم “ملحمة الغضب”، استهدفت بشكل رئيسي مسؤولين إيرانيين.

وينسب إلى خامنئي تحويل إيران إلى قوة معادية للولايات المتحدة وتوسيع نفوذها العسكري في الشرق الأوسط وإخماد الاضطرابات الداخلية المتكررة. وتولى خامنئي (86 عامًا) أعلى منصب في إيران في عام 1989 بعد وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية الخميني. وبصفته الزعيم الأعلى، سيطر خامنئي بشكل مطلق على المؤسسات السياسية والعسكرية والدينية في إيران، نظرًا لأن له القول الفصل في السياسة الداخلية وتوجيه العلاقات الخارجية.
ولطالما اعتبرته إسرائيل قوة مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، مشيرة إلى دعمه لشبكة حلفاء إيران المسلحين، بما في ذلك حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) و”حزب الله” في لبنان.
وعندما خاضت إسرائيل وإيران حربًا جوية استمرت 12 يومًا في حزيران 2025، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس باغتيال خامنئي قائلا إنه “لا يمكن أن يستمر على قيد الحياة”.
كيف بدت امس ايران التي تستفيق اليوم على عالم رحل عنه خامنئي؟ يجيب على ذلك تحقيق نشرته امس النيويورك تايمز: “قصفت مقاتلات إميركية وإسرائيلية طهران ومدنًا إيرانية أخرى، وهو يوم عمل مزدحم في البلاد، ولم تقدم الحكومة الكثير من الإرشادات لمواطنيها الملايين حول ما يجب فعله وأين يذهبون للسلامة، حسبما قال أكثر من اثني عشر من السكان إنهم لا يعرفون التوجيه.
كان لدى الهاربين من منازلهم أماكن قليلة للاحتماء، وقال الآباء الذين اتصلوا بجنون ويهرعون إلى المدارس لإحضار أطفالهم إن حتى المديرين والمعلمين لم يتلقوا أي تعليمات طارئة.

في مقابلات هاتفية ونصية في الساعات التي تلت شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا منسقا ضخمًا، قال العديد من الإيرانيين إنهم تركوا ليواجهوا مصيرهم بأنفسهم. استغرق الأمر ساعات من إصدار الحكومة بيانا عن الهجوم، وحتى حينها كانت غنية بالخطاب الذي يدين أعداءها وتفتقر إلى النصائح لشعبها.
لم يقل التلفزيون الحكومي الكثير عن كيفية البقاء آمنين من القنابل. بدلا من ذلك، بثت أغاني ثورية وألحان حربية تعود إلى حرب إيران والعراق في الثمانينيات ورسائل إدانة عن الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقال المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في بيان إن المدارس والجامعات ستغلق حتى إشعار آخر، وستبقى البنوك مفتوحة، وأن الجهات الحكومية ستعمل بقدرة 50 بالمئة. وأضاف البيان أن إيران “أعدت جميع احتياجات المجتمع مسبقا ولا داعي للقلق.”
بحلول منتصف النهار، كان العديد من الناس في طهران، المدينة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 15 مليون نسمة، يحاولون الفرار بالسيارة. قال السكان إن الطرق السريعة المؤدية إلى خارج المدينة كانت مزدحمة لأميال. الكثير من الذين بقوا في الخلف شكلوا طوابير طويلة أمام المخابز ومحطات الوقود”.

هل دخلنا فعلا مسار ايران جديدة؟ لا يبدو أن الجواب سيكون حاسمًا. وأتى المثال من إعلام رسمي إيراني نقلا عن مصدر مقرب من مكتب خامنئي: “أستطيع أن أقول لكم بثقة إن قائد الثورة يقود الميدان بثبات وبحزم”؟

تذكروا، شاهدنا من قبل هذا المشهد عندما رحل نصرالله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى