أبرز الأخبار

حدود المسؤولية المالية الشخصية في العمل الوزاري

بقلم: محرّر الشؤون القانونية

إذا كان الجدل حول الجهة الصالحة لمحاكمة الوزراء كما استعرضنا في مقالنا السابق حول الصراع الدستوري يحسم الصلاحية لصالح المجلس الأعلى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن يتجاوز ‘من يحاكم’ إلى ‘بماذا يحاكم’؟
فهل الوزير هو مجرد موظف يسأل في أمواله الخاصة عن كل قرار إداري؟ وما هي الحدود القانونية الفاصلة بين الخطأ الذي تتحمله الدولة والجرم الشخصي الذي يطال جيب المسؤول؟ في هذا المقال، نشير إلى حدود المسؤولية المالية الشخصية في العمل الوزاري، ونفكك الالتباس الحاصل بين العمل السياسي الإداري والتبعة المالية الفردية.
غالباً ما يختلط الأمر على الرأي العام، وحتى على بعض المراجع القانونية، عند تحديد طبيعة العلاقة التي تربط الوزير بالدولة. فهل الوزير هو موظف فئة أولى برتبة أعلى؟ وهل يسأل في أمواله الخاصة عن كل قرار يتخذه ويؤدي إلى عبء مالي على الخزينة؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات تستوجب تشريحاً دقيقاً لنظام الموظفين من جهة، وقانون المحاسبة العمومية من جهة أخرى، لترسيم الحدود بين المسؤولية السياسية والمسؤولية المالية الشخصية.
التمييز الجوهري: لماذا يرفض القانون وصف الوزير بـ”الموظف”؟
ينص المرسوم الاشتراعي رقم 112 (نظام الموظفين) على فئات محددة للموظفين، دائمون، مؤقتون، أجراء. وبالنظر إلى وضع الوزير، نجد أنه لا ينتمي إلى أي من هذه الفئات؛ فهو لا يخضع لمباريات مجلس الخدمة المدنية، ولا يتدرج في الرتب، ولا تنتهي خدمته ببلوغ السن القانونية، بل هو رجل دولة يشغل منصباً دستورياً سياسياً بامتياز.
هذا التمييز ليس مجرد مسمى وظيفي، بل هو حجر الزاوية في تحديد الجهة التي تملك حق تأديبه ومحاكمته. فإخضاع الوزير لرقابة ديوان المحاسبة القضائية المخصصة للموظفين، وفق المادة 59 من قانون تنظيم الديوان، يعتبر توسعاً في التفسير لا يستقيم مع طبيعة السلطة التنفيذية التي يمثلها الوزير.
المادة 112: متى تطال المحاسبة الجيوب الخاصة؟
الأصل في القانون هو أن الدولة تتحمل مسؤولية أخطاء موظفيها ومديريها، المسؤولية المدنية للدولة، ولا يعود للدولة على المسؤول إلا في حالات محددة. ولكن، أين يقف هذا المبدأ بالنسبة للوزير؟
لقد حصر قانون المحاسبة العمومية في مادته (112) مسؤولية الوزير الشخصية في أمواله الخاصة في حالة واحدة ضيقة جداً: “عقد نفقة يتجاوز الاعتمادات المفتوحة لوزارته مع علمه بهذا التجاوز”.
بمعنى آخر، لكي يُحكم على وزير بدفع مبالغ من ماله الخاص، يجب توفر شرطين مجتمعين:
1. تجاوز الموازنة: أي صرف مبالغ لم يرصدها مجلس النواب أصلاً.
2. سوء النية (العلم): أن يكون الوزير مدركاً تماماً لهذا التجاوز ومع ذلك أقدم عليه.
أما في حالات الخطأ في التقدير او عقد إيجار لم تتم الاستفادة منه، فإن المسؤولية تظل في إطار العمل الإداري العام، ولا تتحول إلى دين شخصي على عاتق الوزير، إلا إذا ثبت وجود جرم جزائي كرشوة أو اختلاس يخرج الفعل من سياق الوظيفة إلى سياق الجريمة العادية.
مبدأ حسن النية وحماية المبادرة
إن الغاية من حصر المسؤولية الشخصية للوزير هي حماية المبادرة. فلو علم كل وزير أن أي خطأ إداري قد يؤدي إلى مصادرة أمواله الشخصية وعقاراته، لامتنع الوزراء عن توقيع أي قرار، ولتوقفت عجلة الدولة خوفاً من المسؤولية المالية.
إن المبدأ القانوني الراسخ (المادة 221 موجبات وعقود) يفرض تنفيذ العقود والمهام وفقاً لـ “حسن النية”. فإذا قام الوزير بدراساته، واستشار لجانه الفنية، وتأكد من حاجة وزارته لمشروع معين، ثم حالت ظروف إدارية أو تقنية دون استكمال هذا المشروع بعد خروجه من السلطة، فإن هذا لا يشكل إخلالاً بالواجبات يوجب ملاحقته مالياً بصفته الشخصية.
تقسيم المسؤولية: المسؤول ليس وحيداً
من الناحية القانونية، لا يمكن تحميل الوزير منفرداً نتائج قرارات إدارية شاركت فيها لجان فنية، وهيئات استشارية، وموظفون وقعوا على المعاملات. فالقاعدة القانونية تقضي بتوزيع المسؤولية بين جميع المشتركين في الفعل بحسب نسبة خطأ كل منهم. فكيف يُعقل أن يُحاسب الوزير مالياً عن تقارير فنية قدمها له خبراء أكدوا فيها صلاحية مشروع ما؟
إن المحاسبة المالية للوزراء يجب أن تتم تحت سقف القانون، لا تحت ضغط التجاذبات. فالوزير يسأل سياسياً أمام مجلس النواب، ودستورياً أمام المجلس الأعلى، ومالياً بأمواله الخاصة فقط في حال خرق سقف الموازنة عن علم وعمد. أما التوسع في تحميل الوزراء ديوناً خيالية من أموالهم الخاصة في قضايا إدارية عامة، فهو مسار يخالف روح التشريع اللبناني وقد يؤدي إلى تصحّر في الكفاءات التي قد ترفض تولي المسؤولية مستقبلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى