
أثناء ممارستها لعملها الصحفي، طلبت إحدى الصحافيات من بعض الناس المشاركة في رأيهم، لكنهم أبدوا رغبتهم في عدم ذكر أسمائهم والاكتفاء بالقصة باسم مجهول، تمامًا كما يفعل كاتب هذه السطور اليوم، بفعل الخوف من الأذية. صحافي آخر كان يصوّر فيلمًا اجتماعيًا ووجد بعض المتحمسين للمشاركة، لكن حين علم المشتركون أنه سيُعرض على قنوات خليجية، اعتذروا عن المشاركة خوفًا من التخوين.
في ذات السياق، يشير الناشط السياسي محمود شعيب لـ”جنوبية” إلى أن حادثة خطف وقعت لمدة خمس ساعات لامرأة من قبل أمن حزب الله، كانت تصوّر فيلمًا للجامعة لأنها لم تكن معها إذن للتصوير، واقتادوها إلى أحد المساجد للتحقيق معها، ضاربين بذلك عرض الحائط البلدية ومؤسسات الدولة المسؤولة عن هذا الأمر، كما ناسفين مبدأ الحرية من أساسه، وقاموا بممارسة واحدة من أهم أساسيات الدولة في ممارسة العنف واحتكاره، والنطق باسم الشعب اللبناني عبر القضاء.
الشيطنة والاغتيال المعنوي: تجريد المعارض من إنسانيته
يشير الدكتور هادي مراد في تصريحه لـ”جنوبية” إلى أن الحزب يسعى إعلاميًا إلى الاغتيال المعنوي عبر مشروع إعلامي كبير، كما أن هناك أسلوب التهويل عبر تعميم رقم هاتف الشخص المنوي استهدافه، فتبدأ الاتصالات والرسائل بالانهمار عليه من زعران، وتفعيل خاصية الريبورت لإلغاء حساباته عبر منصات التواصل بهدف إسكاته، ومن ثم المضايقة في الأماكن العامة كما حصل مع رامي نعيم في فردان مول، وضربه وتصويره المتعمد ونشر الفيديو بهدف إهانته، ومن ثم نبذه بالقوة من الأماكن ذات الأغلبية الشيعية، كما تم تصوير غيره بهدف تعميم تشويه صورتهم وإهانتهم والحط من قدرهم، وبالتالي سلبهم إنسانيتهم وتبرير ضربهم بواسطة حملات مكثفة عبر السوشيال ميديا أفرزت مصطلح “عم نضربك لمصلحتك”.
تعرّض للعنف مصوّرون وصحافيون وإعلاميون وأساتذة جامعيون وناشطون سياسيون وفنانون، منهم حسين بصل، حسين شمص، معن حلاوي، حاتم حلاوي، داوود رمال، حسن شعبان، باسل صالح، طارق أبو زينب، ربيع شنطف، ومحمود السيد،
قبل السحسوح… وما بعد بعد السحسوح
“بلاها أفضل”، يقول كثيرون من المعارضين الشيعة. يريد هؤلاء التعبير عن آرائهم، لكنهم يرون ما حلّ بغيرهم. وبحسب المثل الشعبي: “ما متت، ما شفت مين مات؟!”. هنا نستدعي فيديوهات لأفراد صرخوا في وجه حزب الله، فما كانت النتيجة إلا أنهم قدموا اعتذارهم في اليوم التالي بعد سيل من التهديدات أو الضغوطات التي أدت إلى تراجعهم.
قبل السحسوح مسألة حساسة جدًا، لأنها تحمل في طياتها إهانة كبيرة لأصحابها، إهانة يتحملها الأفراد مجبرين وتحت وطأة مخاوف من استهدافهم في حال عدم امتثالهم لمطالب الحزب بالتراجع عن خطابهم وتقديم الاعتذار. ففي كل قرية شيعية هناك خسائر بشرية جراء الحروب، هناك خسائر مادية، وهناك شهداء، وببساطة توجيه اتهام إلى أحدهم بأنه يشتم الشهداء إنما يستتبع تهديدات جسدية من آخرين مكلومين في القرية.
وأمام انتشار سردية البغض والقمع داخل البيئة الشيعية، وهي سردية تتأسس على سوّغ خطاب الحزب خلال العقود الماضية، ألا يستتبع البحث عن الفعل الفردي بكونه فعلًا فرديًا محضًا بعيدًا عن مسوغاته الجماعية والاجتماعية والسياسية والعقائدية التي بثها حزب الله في “البيئة” الشيعية؟
ونتيجة مباشرة أو غير مباشرة لتلك السرديات، تعرّض للعنف مصوّرون وصحافيون وإعلاميون وأساتذة جامعيون وناشطون سياسيون وفنانون، منهم حسين بصل، معن حلاوي، حاتم حلاوي، داوود رمال، حسن شعبان، باسل صالح، طارق أبو زينب، ربيع شنطف، ومحمود السيد، فضلًا عن الاعتداءات على المحتجين في حراك 17 تشرين في صور والنبطية وبيروت وبعلبك الهرمل.
يمكن مراجعة بحث الأستاذ نجيب العطار: “الشيعية السياسية ضد معارضيها: تأملات في عشر سنين من العنف”، المنشور في “أمم للأبحاث والتوثيق” عام 2025.
الجيوش الإلكترونية: طنين لا يرحم
يحشد حزب الله جيوشه الإلكترونية في مواجهة كل شيعي معارض، أو حتى كل شيعي كتب رأيًا معارضًا في لحظة ما وإبان موقفا محددا، حتى لو كان هذا الشخص من المؤيدين للمقاومة بالعنوان العريض، وسوّلت له نفسه في لحظة ما أن يعبر عن رأي مخالف متعلق بموقف محدد. فيقع سيل من الشتائم والتهجمات الشخصية عليه وعلى أفراد عائلته.
قصة الإعلامية ديما صادق نموذج. تم هتك عرضها، وطالت السخرية والتنمر ابنتها وهي طفلة من ذوي الإعاقة. بالمثل، طالت السخرية الإعلامية مي شدياق كونها بيدًا بلاستيكية، وطالت السخرية والتهجم أغلب حلفاء الأمس بسبب مواقفهم بعد كارثة حرب الإسناد وفشلها ونتائجها الوخيمة، ومنهم وئام وهاب، أسامة سعد، وجبران باسيل، إلى آخر اللائحة.
تعمل الجيوش الإلكترونية بتوجيهات محددة من قمة الهرم إلى أدنى المستويات، على سبيل مجموعات الواتساب في كل قرية، على رأس كل مجموعة أدمن، وهناك مجموعات لكل الأدمنز الذين يتلقون المعلومة ممن هم في هرمية أعلى. وهكذا تنساب المعلومة من رأس الهرم، وتتوزع وتنتشر وتتمدد كالأخطبوط، والمعلومة عبارة عن أمر عمليات اليوم، سواء الالتزام بموقف موحّد، أو التهجم على شخص محدد، أو أخذ سكرين شوت لمنشور والدخول إلى حسابه وشتمه وتهديده، أو الالتزام الصمت تجاه شخصية محددة، أو الغزل بشخصية سياسية، إلخ.
تشير الناشطة ميرنا بشارة إلى أن “وحدة الشتامين” في حزب الله لم تعد تقتصر على الذباب الإلكتروني، بل طالت شريحة كبيرة من المؤيدين للحزب، بحيث تم العبث بأخلاقهم وتفريغها من أي حس إنساني. تشير إلى أن وظيفة هؤلاء الأفراد جعل الحياة أصعب على كل معارض كي لا يفكر في رفع صوته، وأن يكفّر عشر مرات في نفسه وعائلته وأطفاله وصورته قبل البوح بمعارضته. لذا يلتزم كثيرون الصمت تجنبًا للضرر من قبل هؤلاء، وباتت هذه الوحدة بمثابة “سلاح” إضافي بيد الحزب، خصوصًا وأنه لا رادع لهم، ولا حسيب أو رقيب أو عقاب ينصف ضحاياهم.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن أمر العمليات يبدو أحيانًا مناقضًا لخطابات بعض قيادات الصف الأول؛ يمكن أن يكون خطاب نعيم قاسم، أو سلفه، شديد الحرص على رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية، لكن في المقابل نجد أن الجيوش الإلكترونية تهاجم، فيما ينفض الحزب يده من المسألة، معتبرًا أنهم لا يمثلونه وغير مسؤول عن هذه الحملات التحريضية والتشويهية.



