لهذا يخشى «التيار الحرّ» صناديق الاقتراع

ليس الثنائي “أمل- حزب الله” وحده من يخشى صناديق الاقتراع ويعمل تحت الطاولة على تأجيل الانتخابات النيابية، معلنًا في الوقت نفسه إصراره على إجرائها في موعدها.
فـ”التيار الوطني الحر” برئاسة النائب جبران باسيل لا يبدو أفضل حالًا، وهو بالتالي مقتنع ومضطر في آن لمجاراة “الثنائي” في سعيه لتأجيل الاستحقاق الانتخابي، لأسباب عدة، بعضها مرتبط بوضعه الداخلي، وبعضها الآخر بتحالفاته، الثابتة منها والمتحرّكة:
“التيار” يجاري “الثنائي” في التأجيل
في الجانب “الإلزامي” يدرك باسيل أنه مضطر لمجاراة “حزب الله” في خطته التأجيلية، لا لسبب إلا لأنه حليفه الثابت الوحيد، وربما الأخير، القادر على تشكيل رافعة انتخابية تؤمّن لـ”التيار الوطني الحر” عددا يتراوح بين ثلاثة وخمسة نواب في المناطق المختلطة التي يتمتع فيها الحزب بكتلة ناخبة صلبة مثل المتن الجنوبي وجبيل وكسروان وبيروت. كما يدرك باسيل والحزب معًا أنهما مرغمان على التحالف انطلاقا من خصومتهما المشتركة لـ”القوات اللبنانية”، التي ستكون المستفيد الأول انتخابيًا من أي خلاف بينهما.
في السياق نفسه يبدو باسيل مضطرًا لمسايرة “حليف الحليف” الذي وصفه يومًا بـ”البلطجي”، لأن الأخير، وليس “حزب الله”، هو من سيقود المسار السياسي المرتقب لـ”الثنائي” في هذه المرحلة، بعد الهزيمة العسكرية التي مني بها الحزب في “حرب الإسناد” وتفاعلاتها السلبية المستمرة على وضعه الداخلي.
“التيار” عاجز عن تشكيل التحالفات المطلوبة
في شأن متصل، يدرك باسيل أنه غير قادر على تشكيل تحالفات ظرفية مع مكونات سياسية أخرى خارج الثنائي، سواء أكانت حزبية أو حتى فردية، نتيجة خياراته السياسية التي أوصلته الى شبه عزلة مسيحية، إضافة الى ابتعاد القوى السيادية، الحزبية والفردية، من الطوائف الأخرى عنه بسبب هذه الخيارات. فضبابية مواقفه السياسية، وتقلباته المصلحية الدائمة، أبعدت عنه الحلفاء قبل الخصوم، وجعلت منه حليفًا مفترضًا غير موثوق به، ما وضعه في عزلة بات من الصعب عليه الخروج منها.
تراجع شعبية “التيار” بسبب فشل عهد عون
أما في ما يتعلق بالوضع الداخلي لـ”التيار الوطني الحر” الذي يدفعه للسعي الى تأجيل الانتخابات فيتلخص بالتالي:
يدرك باسيل بالتأكيد، وفقًا لاستطلاعات الرأي الدورية التي يجريها “التيار”، أن شعبيته قد تراجعت الى الحد الأدنى منذ انتخابات 2008، وهو ما يعني انعكاس ذلك تلقائيًا على كتلته النيابية المرتقبة، اذا حصلت الانتخابات في موعدها في 10 أيار المقبل. أما أسباب تراجع هذه الشعبية فتعود الى فشل “التيار” في الحكم بعد وصول العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية في 31 تشرين الأول 2016 برفقة كتلة وزارية من عشرة وزراء وكتلة نيابية من 27 نائبًا، وتحالفين سياسيين مع “حزب الله” و”القوات اللبنانية”.
ولعل ما ساهم أيضًا في تراجع شعبية “التيار” فشل الوزير باسيل المدوّي في معالجة أزمة الكهرباء في لبنان بعدما تسلم “التيار” حقيبتها لنحو 15 سنة متتالية، مخلفا ديونًا على الدولة تجاوزت 25 مليار دولار من دون تحسين التغذية الكهربائية. كما تحمّل باسيل وزر فشل عهد الرئيس ميشال عون لأنه كان ينظر اليه على أنه رئيس الظل أو ربما الرئيس الفعلي الذي أوصل البلاد الى جهنّم.
“الفساد المنهجي ساعد على تقويض أسس الحكم”
وفي شأن متصل، كان للعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الاميركية على باسيل في 6 تشرين الثاني 2020 وفق “قانون ماغنيتسكي” بسبب ما وصفته في حينه بـ”دوره في الفساد” أثر مباشر في الإضرار بسمعة “التيار” الذي طالب بالإصلاح ومحاربة الفساد. وقال وزير الخارجية الأميركي الأسبق ستيفن ت. مونشن وقتها: “لقد ساعد الفساد المنهجي في النظام السياسي اللبناني المتمثل في باسيل على تقويض أسس حكومة فعالة تخدم الشعب اللبناني”.
كما لا بد من الإشارة الى سبب آخر يدفع باسيل للسعي الى تأجيل الانتخابات ويتلخص بالتشرذم الحاصل في قيادة “التيار الوطني الحر” بعد خروج (أو إخراج) أربعة من أبرز رموزه من صفوفه. فالنواب آلان عون وابراهيم كنعان وسيمون أبي رميا والياس أبوصعب، كانوا من أبرز النواب الفاعلين في “تكتل لبنان القوي”، ويتمتعون بحيثية شعبية لافتة في دوائرهم بشكل مستقل عن “التيار”، وهو ما سيفقده آلاف الأصوات في أي انتخابات مقبلة.
“التيار” و”الثنائي” يخشيان أصوات المنتشرين
عامل آخر لا يمكن إغفاله في تحركات باسيل “التأجيلية”، يتمثّل بالمعركة الشرسة التي خاضها الى جانب “الثنائي” لمنع الناخبين المنتشرين من الاقتراع لـ128 نائبًا، بحجة تطبيق قانون الانتخاب الذي ينص على انتخابهم لستة نواب في الاغتراب. أما السبب الحقيقي لهذه المعركة فهو استعانة باسيل بنتائج الانتخابات السابقة ليتأكد من أن الصوت المسيحي في الاغتراب لن يكون من حصته، وهو ما سيشكل سببًا إضافيًا لتراجع حظوظ “التيار” الانتخابية.
هل يجرؤ باسيل على الترشّح في البترون؟
بالاضافة الى هذه الأسباب، ثمة سبب شخصي إضافي يدفع باسيل الى هذا الوضع “التأجيلي”، وهو يتلخص في عدم ثقته بنجاحه شخصيا في هذه الانتخابات اذا ترشح في البترون، في ضوء التحالف المحضّر من خصومه لإسقاطه. كما لن يكون سهلًا عليه الترشح في دائرة أخرى، نظرا لما سيسبّبه له هذا الامر من إحراج شعبي، لأنه سيضعه في موقع الهارب من منطقته خوفًا من الفشل!
لكل هذه الأسباب، وغيرها، يطالب رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل بإجراء الانتخابات في موعدها، فيما تؤكد مصلحته السياسية على أفضلية استمرار الوضع على ما هو عليه لعامين أو ربما أكثر، على أمل إصلاح ما يمكن إصلاحه، أو حصول تغييرات معيّنة قد تأتي لمصلحته.



