أبرز الأخبار

الصراع على “منصة المحاكمة”: هل يملك ديوان المحاسبة ولاية قضائية على الوزراء؟

بقلم: محرّر الشؤون القانونية

في قلب النظام الدستوري اللبناني، يبرز تساؤل قانوني جوهري كلما طفت على السطح قضية تتعلق بإدارة الأموال العمومية: من هي الجهة الصالحة لمحاكمة الوزير عن أفعال ارتكبها في معرض ممارسته لمهامه؟ هل هو ديوان المحاسبة، بوصفه حارس الهيكل المالي، أم هو المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، بوصفه المرجع الدستوري الفريد؟

هذا النزاع ليس مجرد ترف فكري قانوني، بل هو صراع حول مبدأ فصل السلطات وحول التفسير الدقيق لمواد الدستور اللبناني.

الاستثناء الدستوري: لماذا المجلس الأعلى؟
تنص المادة 70 من الدستور اللبناني بوضوح على أن مجلس النواب يملك سلطة اتهام الوزراء بارتكاب الخيانة العظمى أو الإخلال بالواجبات المترتبة عليهم. وتستكمل المادة 71 هذا المسار بالتأكيد على أن المحاكمة تتم حصراً أمام المجلس الأعلى.

هذا النص الدستوري لم يأتِ من فراغ، بل وُضع لحماية المبادرة الوزارية. فالوزير يمارس مهاماً ذات طبيعة سياسية وإدارية معقدة، وإخضاعه للقضاء العادي أو الإداري كديوان المحاسبة في كل قرار يتخذه قد يؤدي إلى شلل في عمل السلطة التنفيذية.

إشكالية الصلاحية: هل الوزير “موظف”؟
ينطلق الجدل القانوني من محاولة البعض إخضاع الوزير لرقابة ديوان المحاسبة القضائية، مستندين إلى المادة 59 من قانون تنظيم الديوان التي تشمل الموظفين وكل من يساهم في إدارة الأموال العمومية.

إلا أن قراءة قانونية متعمقة تفيد بأن الوزير ليس موظفاً بالمعنى القانوني الضيق؛ فهو لا يخضع لنظام الموظفين، ولا لشرعة التقاعد، ولا يُعين بآلية التوظيف التقليدية. بالتالي، فإن محاولة سحب صفة الموظف على الوزير لتبرير محاكمته أمام ديوان المحاسبة تعتبر خرقاً لمبدأ الاختصاص النوعي.

وعلاوة على ذلك، فإنه حتى لو سُلّم جدلاً باعتبار الوزير موظفاً، وهو أمر يخالف الواقع القانوني كما أسلفنا، فإنه لا يكون مسؤولاً من ماله الخاص عن قراراته الإدارية إلا في حالة استثنائية حصرها القانون بنفقة يعقدها متجاوزاً الاعتمادات المفتوحة لوزارته مع علمه بهذا التجاوز. وبما أن عقود الإيجار والقرارات الإدارية الروتينية لا تقع بتاتاً في تلك الخانة، فإن الملاحقة المالية الشخصية تفقد مستندها القانوني. وهذا ما سنتطرق إليه بالتفصيل في مقالنا التالي الذي سيركز على الجانب الوظيفي والمالي للتفريق بين “الخطأ الإداري” و”الجرم الشخصي”.

الاختصاص الإلزامي وقاعدة “قاضي الأصل”
من القواعد الذهبية في أصول المحاكمات المدنية (المادة 112) أنه “في الدعاوى التي يوجب القانون تقديمها لدى محكمة معينة، يكون الاختصاص لهذه المحكمة دون سواها”. وبما أن الدستور، وهو أسمى القوانين قد عيّن المجلس الأعلى مرجعاً لمحاكمة الوزراء، فإن أي محاكمة موازية أمام مرجع آخر تعد باطلة بطلاناً مطلقاً لتعلقها بالنظام العام.

علاوة على ذلك، فإن القاعدة القانونية تقول إن “قاضي الأصل هو قاضي الفرع”. فإذا كان المجلس الأعلى هو المختص بمحاكمة الوزير عن الجرم الأساسي أي الإخلال بالواجبات، فهو حكماً المختص بالنظر في التبعات المالية والتعويضات الناتجة عن هذا الفعل، ولا يجوز تشتيت الدعوى بين مراجع قضائية متعددة.

خطر التضارب القضائي
إن الإصرار على ملاحقة الوزراء أمام ديوان المحاسبة قد يضعنا أمام معضلة منطقية وقانونية: ماذا لو قضى المجلس الأعلى ببراءة وزير ما، بينما أدانه ديوان المحاسبة في نفس القضية؟ هذا التضارب لا يضرب صدقية القضاء فحسب، بل يهدد الاستقرار القانوني في الدولة.

الخلاصة
إن حماية الأموال العمومية هي غاية سامية، لكنها لا تبرر القفز فوق الدستور. إن الطريق القانوني السليم لمحاسبة أي وزير عن إخلال مفترض بمهامه يمر حتماً عبر ساحة النجمة ومنها إلى المجلس الأعلى. أما ديوان المحاسبة، فدوره ينتهي عند إبلاغ مجلس النواب بالمخالفات المكتشفة، ليترك للسلطة التشريعية تقدير الموقف الدستوري المناسب.
إن احترام الأصول القضائية هو الضمانة الوحيدة لعدم تحول المحاسبة إلى تصفية حسابات، ولضمان بقاء الدستور حكماً فوق الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى