تقريرٌ مُثير عن “ضابط سوري” تعامل مع إسرائيل.. ما علاقة بيروت؟

نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية تقريراً جديداً نقلاً عن كتاب “الموساد – حرب العقول”، كشفت فيه تفاصيل دقيقة تتعلق بضابطٍ سوريّ من نظام آل الأسد السابق، كان على علاقة وتنسيق مع جهاز الموساد الإسرائيليّ.
التقرير يقولُ إنّ الضابط السوري كان برتبة “لواء” وهو من آل الحسن، مشيراً إلى أن الأخير شغل مناصب رئيسية في الجيش السوري السابق، إذ كان قائد الألوية المدرعة، رئيس قسم العمليات، ناهيك عن دوره كمستشار للرئيس السوري السابق حافظ الأسد.
ويلفت التقرير إلى أن ابنة الحسن وُلدت بشفة مشقوقة، فموّل الأسد رحلة العائلة إلى ألمانيا، حيث خضعت الطفلة لعملية جراحية ناجحة على يد أحد أعظم أطباء العالم.
ويذكرُ التقرير أنّ الحسن تقاعد ظاهرياً من مهامه آنذاك، لكنه استمرّ يظهر بالبزة العسكرية، لكن الأسد عينه مستشاراً لشؤون الجولان وممثلاً للجيش في المحادثات بين إسرائيل وسوريا التي عُقدت في الولايات المتحدة الأميركيّة برعاية الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
ويوضح تقرير “يديعوت أحرونوت” أنّ هذه المناصب كانت “سرية”، كما كان يُنظر إلى الحسن رسمياً على أنه “مدني ورجل أعمال”، لكنه كان ما يزالُ عضواً في نظام الأسد، ولديه سيارة عسكرية بالإضافة إلى سيارة خاصة.
ويكشف التقرير أنّه كانت لدى فرع الاستخبارات في الجيش
الإسرائيلي وحدة تراقب الضباط في الجيش السوري، خصوصاً أولئك الذين ترقوا في الرتب ووصلوا إلى مناصب عليا، ويضيف: “كان اللواء الحسن هدفاً لضباط الجيش الإسرائيلي، وقد استعان هؤلاء بالموساد للاتصال به”.
ويقول التقرير إن “الحسن كان ضابطاً في سلاح المدرعات وخبيراً في الدبابات المستخدمة في الجيش السوري وهي دبابات سوفيتية الصنع”، مشيراً إلى أن “قصة التستر والاغواء التي ستطالُ الحسن من قبل الإسرائيليين، ستركز على خردة المعادن من الدبابات”.
ويكشف التقرير أن الموساد اتصل بمساعد له في بلجيكا والذي كان يعملُ في تجارة الخردة المعدنية وطلبوا مساعدته، ثم أمروه بالاتصال باللواء الحسن وإبلاغه بأنه التقى برجل أعمال في أوروبا مهتم بشراء خردة حديد من سوريا.
ويقول التقرير إنه تم اختيار شخصٍ ليكون “دليلاً” للحسن في أوروبا، مشيراً إلى أن هذا الشخص هو عربيّ من أصلٍ لبناني ويعمل مع الموساد الإسرائيلي في أوروبا، فيما كان يُطلق عليه اسم “فايد”.
ويقول التقرير إن هذا العميل يجب أن يكون حلقة وصل ومساعد ومرافق للحسن، إذ كان من المفترض أن يقوم بكل ما يريده الهدف (أي الحسن) وذلك خلال إقامة الأخير في أوروبا.
ويكشف التقرير أن الحسن تلقى رسالة من شركة معنية بالخردة المعدنية تفيد بدعوته إلى اجتماع عملٍ في بروكسل، وكان ذلك في تشرين الأول 1995، وحينها تم السفر والتقى الحسن بـ”فايد” في المطار واصطحبه إلى الفندق وتولى شؤونه. آنذاك، التقى الحسن برجل الأعمال الذي دعاه أحد ضباط تحصيل الأموال في “الموساد”، وهو رجل عرّف عن نفسه بأنه “مونتي”.
ويقول التقرير إنه بعد ذلك الحين، زار الحسن شركة الخردة وتجوّل بين أكوام الحديد والكتل الصدئة، ثم سأله مونتي بعد حوار ودّي: “هل يمكنك إحضار بعض عينات المعادن من سوريا للشراء منها؟”.
وفعلياً، عاد الحسن إلى سوريا ثم عاد إلى بروكسل بعد بضعة أشهر، وحمل معه عينات من معادت مختلفة وتحت كل عينة صورة وشرح يوضح طبيعتها وأصلها وتفاصيل أخرى. عندها، قيل للحسن هناك من قبل مسؤول تحصيل الأموال أو التبرعات في الموساد: “سمعنا أن لديكم في سوريا دبابات أصبحت خارج الخدمة”. هنا، أجاب الحسن قائلاً: “نعم”، لكنه حرص على عدم الكشف عن انتمائه العسكري ورتبته العليا.
عندها، طرح مسؤول “الموساد” على الحسن فكرة شراء تلك الدبابات الخردة، فبدا الحسن متحمساً فأجاب أنه بالإمكان شراء 100.
بعد هذا الحديث، عاد الحسن إلى الفندق متفائلاً، وفي الليلة نفسه اصطحبه “فايد” في جولة زار خلالها مطاعم ونوادٍ ليلية، ثم رافقه في النهاية إلى بيت دعارة.
وفي صباح اليوم التالي، عاد “فايد” إلى الفندق حيث يمكثُ الحسن ووجده في غرفته “راكعاً يصلي”، وهنا سأل الفايد الجنرال السوري: “هل تصلي؟”.
بحسب التقرير، لم يكن الحسن كما كان قبل يومين، فقد كان وجهه شاحباً وصوته يرتجف، ويقول: “أصلي… أريد أن أكفّر عن الذنوب التي ارتكبتها”.
ما حصل إثر ذلك هو أن الحسن غادر الفندق على عجل وعاد جواً إلى دمشق، وقطع كل الاتصالات مع الأشخاص الذين التقى بهم في بروكسل.
يكشف التقرير أن “الموساد” وضع خطة جديدة لاستدراج الحسن مُجدداً، إذ جرى اختيار عميل سابق آخر ويُدعى “إريك” لتأدية هذا الدور، فيما كان اسمه المستعار في العملية هو “بيتر”.
آنذاك، تم ابتكار غطاء جديدة للعملية ووقع الاختيار على هولندا كموقع لها. كذلك، زعم “بيتر” أنه حاصل على دكتوراه في البحوث الصناعية، وهو ابن لأم سويدية وأب لبناني. كذلك، ادعى بيتر أنه يعمل في مجال البحث ويُدرس أيضاً في جامعة مدينة ليدن، غير البعيدة عن أمستردام، كما أنه يعملُ على مشروع لشركة سيارات ألمانية كبيرة، مهتمة بتحسين وتجديد الدبابات الروسية للجيش الروسي.
وبحسب التقرير، كانت فكرة السيناريو المركب بسيطة وتقول التالي: لقد فشل الجيش الروسي في أفغانستان لأن دباباته كانت عريضة للغاية ولم تستطع المرور عبر الوديان والمنخفضات. ولذلك، يُزعم أن الروس تواصلوا مع شركة ألمانية شهيرة لإنتاج دبابات أضيق.
وفي إطار تركيب خطة الاستدراج التي تستهدف الحسن، أحضر “بيتر” معه شخصاً آخر وهو رجلٌ عربي هادئ، مسالم سُمي “أمير”، وهو يجيد النرويجية أيضاً بعد عمله لسنوات عديدة في أوسلو. في الواقع، كان الرجل العربي الهادئ هو الذي سيتولى الاتصال بالحسن ليقول له إن رجل الأعمال “مونتي” الذي قابله في بلجيكا، يرغب بشدة في مقابلتك في هولندا.
عندها، نقل الشخص الاعتذار إلى الحسن نيابة عن مونتي وذلك في حال تعرض للأذى في بلجيكا، مؤكداً أن رجل الأعمال مونتي يريد مواصلة العمل الذي تم البدء به. عندها، قال الحسن: “الشخص الذي تواصلت معه سابقاً رجل حقير وغير أخلاقي، لكن رجل الأعمال مونتي كان جيداً تماماً. أنا مستعد للمجيء”.
بعد أيام، وصل الحسن إلى هولندا وقابل “أمير”، لكن الضابط السوري كان موعوداً بلقاء “مونتي” في موعد قريب، لكن اللقاء لم يحصل فوراً وتأخر، وبدأ الحسن يفقد صبره. المفاجأة هو أن إدارة الفندق طلبت من الحسن دفع ثمن الإقامة في الفندق، عندها أجاب الضابط أن ليس لديه مال، فأبلغه “أمير” بأن مونتي هو من سيدفع. لكن رجل الأعمال لم يحضر وطالب الفندق مجدداً بدفع ثمن إقامته، وعندها غضب الحسن وشعر بالحيرة، فأعرب عن إحباطه قائلاً: “من يكون مونتي هذا؟ أي نوع من رجال الأعمال هذا؟ كيف يجرؤ على إهانتي هكذا؟”.
ما يكشفه التقرير هو أن كل شيء كان مُخططاً له، في حين أنه لم يلتقِ “مونتي” بعد، فيما وصلت رسالة أخرى تفيد بأن الأخير “عالق في اسطنبول”. حينها، كان الحسن غاضب جداً، فلا اتفاق أُبرم ولا مال لديه والأهم من هذا كله بالنسبة له أن كرامته مُسّت. كان الحسن تحت ضغط هائل، شتم مونتي بلا هوادة.
حينها، كان “بيتر” تحدث عن أن هناك خبراء روس مهتمون بالدبابات لكنهم لم يحضروا. هذا الأمر قاله الشخص المذكور للحسن حينما التقوا في أحد المقاهي الهولندية، وقد أعرب عن غضبه للخذلان الذي تعرض له. عندها، خرجَ الرجلان يمشيان في أحد الشوارع، وتبادلا أطراف الحديث حتى قال الحسن لـ”بيتر” إن لديه خبرة كبيرة في مجال الدبابات.
وبعد ذلك بيوم واحد، التقى “بيتر” مع الحسن، وقال الأخير له: “لقد تعاملت مع المدرعات. أنا أفهم الدبابات. لا يوجد أحد في سوريا يفهم الدبابات أكثر مني”. عندها، صُدم “بيتر”، وقال للحسن إنه سيخلد اسمه بشأن هذا التعاون الكبير، لكن الحسن رفض ذلك.
لقد بدا الأمر وكأنه يُكشف له أنه يفعل شيئاً محظوراً، وأدرك بيتر أن الاتفاق الذي كان يتشكل بينهما كان متجذراً في الأمل، مما منح الحسن أملاً في الإنجاز، ورضا عن ذاته.
إثر ذلك، اجتمع ضباط الموساد واتفقوا على منح الحسن مبلغاً من المال يُحترم به. وبحسب التقرير، كان من الواضح أنه إذا عُرض عليه مبلغٌ غير مناسب، فقد يُلحق به الضرر، ويُقطع عنه التواصل، وعندها ستنهار العملية برمتها. عندها، طرح “بيتر” عرضاً قال إنه يمكن تقديم مبلغ 1000 دولار للحسن شهرياً، بالإضافة إلى مكافآت مقابل المعلومات المهمة والحديثة، وقد قُبل العرض.
وبعد ذلك، قابل “بيتر” الحسن وأبلغه بأنه سيعرض عليه منصب كبير مستشاريه، وسيدفع له 1000 دولار شهرياً بالإضافة إلى مكافآت مقابل المعلومات المفيدة”.
كان الحسن في غاية السعادة والتأثر، ولاحظ بيتر أنه على وشك البكاء. قبل ساعات فقط كان يائساً، والآن تم تكريمه، ووُضعت أمامه فرصة مالية طويلة الأمد، فقبل العرض بيديه. عندها، شعر بيتر بالثقة. “سنلتقي مجدداً بعد بضعة أشهر. سأعطيك مبلغاً من المال مقدماً الآن”.
في ذلك اللقاء، أعطيَ الحسن 4000 دولار كدفعة مقدمة لأربعة أشهر، وشعر بسعادة غامرة عندما استلم المال؛ فقد استعاد كرامته، وعزته، وكانت رحلته ناجحة بشكل غير متوقع. وعندها، أعطى “بيتر” الحسن رقم هاتفه وفاكسه، ثم سافر الأخير إلى دمشق سعيداً ومُتحمساً.
ويقول التقرير إنه بعد 4 أشهر، وصل الحسن إلى أمستردام مُجدداً بعدما نجحت خطة التجنيد في الرحلة السابقة. في رحلته الجديدة، التقى الحسن بـ”بيتر”، وقام الأخير بتقديم شرح مطول له كيف فشل الروس في أفغانستان وما هي مشاكل دباباتهم.
في تلك الجلسة، وفق التقرير، طرح “بيتر” خرائط لأفغانستان أمام الحسن، لكن الأخير قال إنه لا يعرف أفغانستان، بل يعرف جيداً كيف تتحرك الدبابات في السهول والوديان في مرتفعات الجولان. عندها، قام “بيتر” بإخراج خريطة لتلك المنطقة وهنا بدأت عملية الاستخبارات فعلياً.
في تلك اللحظة، بدأ الشخصان يدرسان الأمر ويقيسون أبعاد الدبابات ويتفحصون شقوق مرتفعات الجولان، فيما كان بيتر يجمع بين الأسئلة الآنية والحساسة.
كان الحسن مستعداً جداً للحديث عن تاريخه الشخصي وماضيه العسكري، وصف بإسهاب الفترة التي كان فيها قائداً للجولان، وشرح كيف كانت الوحدات المدرعة تنتقل من مكان إلى آخر عبر الهضبة.
حاول بيتر مراراً وتكراراً أن يخلق انطباعاً بأنه غير مهتم بالتاريخ العسكري على الإطلاق، وإنما فقط بالجوانب التقنية لبحثه.
معلومة كادت تشعل الحرب.. ما علاقة بيروت؟
على مدى فترات، كان الحسن يلتقي مع “بيتر”، حتى نشأت صداقة بينهما، حتى قام الجنرال السوري بإخبار “بيتر” بالمعلومات الاستخباراتية التي تلقاها هو وفريقه خلال فترة مشاركته في المفاوضات مع إسرائيل.
بحسب “يديعوت أحرونوت”، فقد كشف الحسن تفاصيل تلك المفاوضات، إذ قال إن الإسرائيليين على استعداد لمنح سوريا كامل مرتفعات الجولان، بل وجزءاً من شرق بحيرة طبريا. كذلك، قال الحسن إنه خلال المحادثات التي سبقت مؤتمر مدريد، أدرك أن الأسد كان يخشى بشدة التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل، خشية أن يصبح السوريون “عبيداً لإسرائيل”.
كانت إحدى أهم المعلومات التي نقلها الحسن إلى بيتر بمثابة بشرى ثمينة، وهي أنّ سوريا تُغيّر استراتيجيتها القتالية، موضحاً أن دمشق في الحرب القادمة لن تهاجم إسرائيل من الهضبة، بل سيكون هناك توغل في الأردن، وبالتالي تجاوز مرتفعات الجولان، ومن هناك سيتم الدخول إلى إسرائيل، ذلك لأن الطريق في الجولان شديد التعقيد ويصعب المناورة فيه.
وبحسب التقرير، فإن هذا الخبر تسبب هذا الخبر في تغيير كبير في التصور داخل الجيش الإسرائيلي وأدى إلى إعادة تنظيم القوات البرية والقوات الجوية.
ولاحقاً، تلقت إسرائيل والموساد معلومات مضللة من شخص يدعى “يهودا جيل” تفيد بأن السوريين يريدون شن حرب على إسرائيل، ثم قال إن دمشق نقلت فرقة “كوماندوز” تابعة للجيش السوري ومتمركزة على مشارف بيروت في لبنان، إلى قاعدتها الدائمة عند سفح جبل الشيخ السوري. ورافقت عملية نقل الفرقة تحركات كثيفة للمركبات والمروحيات والقوات المساعدة، مما أثار ضجة كبيرة وأدى إلى إطلاق العديد من إشارات الإنذار.
لقد شكّل نقل القوة بهذا الحجم، بالإضافة إلى سلسلة من المناورات على الحدود الأردنية، أساساً لتحذير جيل، إذ قال إن حرباً مع سوريا ستندلع قريباً. ووفقًا للتحذير، كانت سوريا على وشك استعادة جبل الشيخ.
في الواقع، أثارت هذه الأنباء قلقاً بالغاً في مديرية الاستخبارات العسكرية، تم استدعى الحسن إلى برلين من قبل “بيتر”، وعندها فوجئ بما يقول عن الحرب، نافياً حصول ذلك، وقال إن عملية النقل التي حصلت جاءت بسبب اتفاقية الطائف التي وُقعت في السعودية وأنهت الحرب اللبنانية عام 1989.
حينها، أدرك بيتر أن تحرك الفرقة كان سياسياً وليس عسكرياً، وقال: “كنت أعتقد أن سوريا تريد تحقيق أهدافها على جبل الشيخ”.
عندها، أجاب الحسن: “لا أحد يدعمنا سياسياً في الوقت الراهن. جيشنا غير مُجهز لخوض الحرب اليوم”. في ذلك الحين، أبلغ بيتر قادته عند عودته من برلين أنه “لن تكون هناك حرب”، بينما جرى اعتقال يهودا جيل وإيداعه السجن.
ويختم التقرير قائلاً إن “بيتر” عمل مع الحسن لمدة 4 سنوات تقريباً، إذ كان “جاسوساً بارعاً” يقدم معلومات استخباراتية قيّمة على مرّ الزمن. ولكن بعد ذلك، مرض الحسن وتوفي دون أن يعرف حقيقة ما جرى معه خلال تلك السنوات.



