لا يوجد قانوناً في لبنان “محامي كنسي”

المحامي كميل حبيب معلوف
حماية لقب المحامي، حصرية الصفة، والوكالة الكنسية في ضوء النصوص الآمرة والاجتهاد ومبدأ الشرعية.
إن مبدأ الشرعية، الذي يُشكّل ركناً أساسياً في النظام القانوني اللبناني، يفرض ألا تُمارَس أي مهنة منظَّمة، ولا سيّما المهن المتصلة مباشرة بالقضاء وتحقيق العدالة، إلا ضمن الحدود التي رسمها القانون وبالشروط التي حدّدها حصراً. وتأتي مهنة المحاماة في مقدّمة هذه المهن، إذ نظّمها المشترع اللبناني بنصوص آمرة من النظام العام، لا تقبل الاجتهاد ولا التوسّع ولا ابتداع صفات موازية. وانطلاقاً من هذا المبدأ، يبرز واجب قانوني ومهني بتصويب توصيف خاطئ شاع استعماله في الواقع العملي، يتمثّل في إطلاق تسمية “محامي كنسي”، وهي تسمية لا وجود لها في التشريع اللبناني ولا تستند إلى أي نص قانوني نافذ.
فقد نصّ قانون تنظيم مهنة المحاماة الصادر بتاريخ 11/3/1970 في المادة الأولى منه على أن المحاماة مهنة حرّة منظّمة بالقانون، هدفها إبداء الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق المادة الاولى من تنظيم مهنة المحاماة. كما أكّدت المادة الثانية أن المحاماة تشارك في تحقيق العدالة وتُعدّ من خدمات المصلحة العامة، ما يفرض إخضاعها لضوابط صارمة في اكتساب الصفة وممارستها . وهذا يعني أن صفة المحامي ليست توصيفاً علمياً أو عرفياً، بل صفة قانونية بحتة مصدرها القانون وحده.
أما اكتساب صفة المحامي، فقد حدّده المشترع اللبناني بشكل حصري في المادة الخامسة من القانون ذاته، التي اشترطت للقيد في جدول نقابة المحامين حيازة إجازة في الحقوق من جامعة معترف بها، والتمتّع بالأهلية المدنية، والسيرة التي توحي بالثقة والاحترام، وعدم صدور أحكام أو عقوبات تمس الشرف والكرامة، إضافة إلى سائر الشروط الآمرة. ثم جاءت المادة العاشرة لتقطع الشك باليقين، إذ نصّت صراحة على أنه لا يجوز لأي شخص أن يزاول مهنة المحاماة أو أن يستعمل لقب محامٍ أو أن يقوم بأي عمل من أعمالها، ما لم يكن مسجّلاً أصولاً في جدول إحدى نقابتي المحامين في بيروت أو طرابلس .وهذه النصوص، بصفتها من النظام العام، لا تقبل أي استثناء أو تسوية أو توصيف ملتبس.
وانطلاقاً من ذلك، يتبيّن بصورة قاطعة أن حيازة شهادة في القانون الكنسي، مهما بلغت قيمتها الأكاديمية أو الدينية، لا تمنح صاحبها صفة المحامي القانوني في لبنان، ولا تخوّله استعمال لقب محامٍ أو الترافع أمام المحاكم اللبنانية بهذه الصفة، ما لم يكن قد استوفى شروط القيد النقابي المنصوص عليها في المواد 2 و5 و10 من قانون تنظيم مهنة المحاماة. فالتمييز واجب هنا بين الاختصاص العلمي والصفة القانونية، إذ إن الأول لا يُنشئ الثاني، وفقاً لمبدأ الشرعية المهنية.
وفيما يتعلّق بالتمثيل أمام المحاكم الروحية للطوائف المسيحية، فإن القانون اللبناني، وإن اعترف باختصاص هذه المحاكم في مسائل الأحوال الشخصية، لم يُنشئ في أي من نصوصه صفة مهنية مستقلة تُسمّى “محامي كنسي”. فالقوانين التي نظّمت القضاء الروحي المسيحي لم تُحِل إلى قانون تنظيم مهنة المحاماة لإنشاء صفة موازية، بل اكتفت بالإقرار بحق الأطراف في أن يُنيبوا عنهم وكلاء لمتابعة دعاواهم – قوانين تنظيم المحاكم الروحية المسيحية -. ويُعزَّز هذا الاستنتاج بما ورد في قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني، الذي يميّز بين صفة المحامي وصفة الوكيل، ويقرّ بأن التمثيل في الخصومة يمكن أن يتم بواسطة وكيل حيث لا يفرض القانون التمثيل بمحامٍ حكماً – أصول المحاكمات المدنية – الوكالة في الخصومة.
وبالتالي، فإن الصفة القانونية الصحيحة والمعترف بها في هذا الإطار هي “وكيل كنسي”، لا “محامياً كنسياً”. فالوكالة هي الإطار القانوني العام للتمثيل، في حين أن لقب المحامي محميّ بنصوص آمرة لا يجوز استعماله أو الاشتقاق منه أو إلحاقه بصفة دينية أو طائفية أو وظيفية، لأن اللقب واحد وغير قابل للتجزئة المادة العاشرة من تنظيم مهنة المحاماة. وعليه، فإن استعمال توصيف “محامي كنسي” من قبل شخص غير منتسب إلى نقابة المحامين يُشكّل مخالفة صريحة للقانون، وقد يرقى إلى انتحال صفة مهنية منظَّمة، في حين أن استعمال توصيف “وكيل كنسي” ينسجم تماماً مع القواعد العامة للوكالة ومع النصوص التي تنظّم القضاء الروحي.
وفي إطار المتابعة القانونية الدقيقة لهذا الملف، وبالاستناد إلى إفادة مباشرة من الزميل الصديق نهاد جبر المحترم ، بصفته نقيباً سابقاً لمحامي بيروت، تبيّن أن توجّهاً قانونياً واضحاً كان قد تبلور خلال ولايته، بالتنسيق مع مرجعية بكركي، يقضي بتصويب التسمية المخالِفة للقانون واعتماد الوصف القانوني الصحيح، أي “وكيل كنسي”، انسجاماً مع أحكام قانون تنظيم مهنة المحاماة التي تحصر لقب المحامي بالمنتسبين أصولاً إلى النقابة حسب قانون تنظيم مهنة المحاماة. إلا أن هذا التوجّه، على الرغم من سلامته القانونية، لم يُطبّق عملياً، واستمر استعمال تسمية لا سند لها في التشريع اللبناني.
وقد تبيّن لاحقاً وجود بطاقات وتعريفات مهنية تُستعمل تحت مسمّى “محامي كنسي” من دون أي إذن أو علم من نقابة المحامين، ما يشكّل، في ضوء قانون تنظيم مهنة المحاماة والمبادئ العامة لقانون العقوبات، شبهة انتحال صفة، نظراً لكون لقب المحامي لقباً محمياً من النظام العام ومن تنظيم مهنة المحاماة وعلى هذا الأساس، جرى تحريك شكوى جزائية بجهود قانونية مشكورة من الأستاذ الزميل والصديق المحامي سميح بشراوي المحترم ، بصفته ممثلاً عن نقابة المحامين، وبمؤازرة زملاء محامين محترمين مشكورين، دفاعاً عن هيبة المهنة وصوناً للنظام القانوني.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة بإيجابية ومسؤولية إلى الدور الذي يضطلع به نقيب المحامين الحالي في بيروت، الأستاذ المحامي عماد مارتينوس المحترم ، بصفته نقيباً للمحامين وزميلاً وصديقاً، والذي يسعى مشكوراً وبجدّية واضحة إلى معالجة هذه الإشكالية وفق القانون، ومن خلال الوسائل القانونية والحبية، عبر التوعية والحوار والمفاوضات مع المراجع المختصة الروحية ، عملاً بصلاحيات النقابة في تنظيم المهنة وحماية لقبها، ومن دون الدخول في أي مسار إلا حيث يكون الحل قابلاً للإنجاز ومتوافقاً مع النصوص الآمرة .
إن هذا المقال لا يستهدف أشخاصاً أو مؤسسات، ولا يمسّ بمكانة الكنيسة أو القضاء أو نقابة المحامين، بل يهدف حصراً إلى تثبيت حقيقة قانونية ثابتة بالنص والتشريع والاجتهاد، مفادها أن القانون اللبناني لا يعرف ولا يعترف بصفة “محامي كنسي”. يوجد محامٍ واحد فقط، هو المحامي المنتسب إلى نقابة المحامين وفق الأصول القانونية، ويجوز له أن يتخصّص في القانون الكنسي. وفي المقابل، يوجد وكلاء كنسيون، وهي الصفة الوحيدة الجائزة قانوناً خارج إطار المحاماة.
إن احترام العدالة يبدأ باحترام الألقاب القانونية كما وردت في النصوص، لأن أي تساهل في هذا المجال لا يسيء فقط إلى مهنة المحاماة، بل يربك المتقاضين ويمسّ بالنظام العام. وهذه ليست مسألة رأي أو اجتهاد، بل مسألة قانون ونص ومسؤولية مهنية.
وفي الخلاصة الحاسمة:
في لبنان، لا يوجد قانوناً محامٍ كنسي! بل محامٍ واحد تنظّمه النقابة، ووكيل كنسي حيث يجب أن يكون الوكيل.



