أبرز الأخبار

“غربال” ترصد المباني المستأجرة من الدولة: تضارب مصالح وعقود بقيمة “خيالية”

 

Almarsadonline

أكثر من 52 مليون دولار سنويًا هي قيمة عقود الإيجارات التي تدفعها الحكومة مقابل استئجار مبان ومراكز إدارات ومؤسّسات عامة، هذا ما خلصت إليه دراسة أعدّتها مُبادرة “غربال” تحت عنوان “المباني المستأجرة من قبل الإدارات العامّة: الكلفة، هوية المالكين، والتوزيع الجغرافي” وأعلنت عنها أمس الخميس 15 كانون الثاني في مؤتمر صحافي عقدته في قصر “الأونيسكو”.

تهدف الدراسة بحسب ما أعلنت مديرة البرامج في “غربال” كلارا بو غاريوس إلى تعزيز مبدأ الشفافية والكشف عن مكامن الهدر وعدم الكفاءة في إدارة الأموال العامّة ودعم عملية وضع السياسات العامّة على أسس قائمة على الأدلة والبيانات الموثوقة، فضلًا عن إعداد خريطة شاملة للتوزيع الجغرافي والخصائص المالية والأنماط المؤسسية لعقود الإيجار الحكومية بما يتيح تأسيس قاعدة معرفية لفهم واقع استخدام العقارات في القطاع العام ومستوى النفقات المرتبطة بها.

لم تتمكّن “غربال” خلال إعداد الدراسة من الوصول إلى جميع المعلومات المطلوبة حول العقارات المستأجرة من الدولة إذ أنّ معظم الجهات المعنيّة إمّا لم تردّ على طلبها بالوصول إلى المعلومات، أو قدّمت معلومات منقوصة. إلّا أنّه ومن خلال المعلومات والبيانات التي استطاعت “غربال” الحصول عليها، خلصت الدراسة إلى أنّ الحكومة اللبنانية تُدير مجموعة عقارات مستأجرة واسعة ومتشعّبة مخصّصة لصالح المرافق العامّة، وتتألف من 1,315 عقد إيجار موزّعة على 67 جهة عامّة ضمن نطاق المحافظات اللبنانية. وتُستخدم هذه العقارات لتأمين مقرّات تقدّم من خلالها الدولة خدمات عامّة أساسية تشمل قطاعات التعليم والصحة والدفاع والرعاية الاجتماعية وغيرها. وتشمل هذه المجموعة أنواعًا متعدّدة من العقارات تتراوح بين مكاتب إدارية صغيرة ومبانٍ مؤسّساتية كبيرة الحجم.

وبحسب الدراسة بلغت كلفة عقود الإيجار مليارًا و200 مليون دولار منذ العام 1992 حتى اليوم، هذا عدا عن التكاليف التجهيزيّة وكلفة الصيانة والكهرباء. ولعلّ أهم ما كشفته الدراسة هي الجهات المؤجِّرة وهي جهات نافذة أبرزها جمعيات محسوبة على شخصيات سياسية وأحزاب وطوائف ومؤسّسات وقف وهيئات دينيّة وبلديات ومصارف.

وقد ناقشت “غربال” هذه النتائج في جلسة حواريّة تلت المؤتمر الصحافي، أدارتها الإعلامية إلسي مفرّج، وشاركت فيها النائبة حليمة القعقور والصحافي رياض قبيسي والمدير التنفيذي لـ “غربال” أسعد ذبيان.

وشدّدت القعقور، خلال الجلسة، على ضرورة توافر الأرقام إذ أنّها تشكّل بيانات تساهم في المساءلة والمحاسبة وبالتالي الإصلاح، مشيرة إلى أنّ الأمر لا يتعلّق فقط بإنفاق الدولة أكثر من 50 مليون دولار سنويًا على مبان مستأجرة، بل أيضًا إلى غياب التخطيط والمعايير. فهي تستأجر مبان لا تفي بالغرض وغير ملائمة. وأعطت مثالًا على ذلك مباني الجامعة اللبنانية التي يعتبر بعضها في حالة يُرثى لها.

وأعلنت أنّها تقدّمت مع كل من النواب بولا يعقوبيان ومارك ضو وحسن مراد وسامي الجميل وملحم خلف وبالتعاون مع “غربال” بسؤال إلى الحكومة لمعرفة تفاصيل دقيقة عن العقارات التي تستأجرها الدولة وتلك التي تملكها. وسأل النواب الحكومة إن كانت تملك لائحة شاملة ومحدثة بالعقارات والمباني التي تستأجرها الدولة بجميع إداراتها ومؤسساتها وبلدياتها، وعن قيمة بدل الإيجارات الفعلية وتاريخ بدء وانتهاء العقود، فضلًا عن الآلية المعتمدة من الحكومة لتحديد بدل الإيجار وإن كان يتمّ تخمين قيمة العقار بطريقة رسمية ومحايدة، وهل وضعت الحكومة أو تعمل على وضع خطة شاملة لمعالجة ملف الإيجارات الحكومية تتضمّن ترشيد الإنفاق، وإعادة التفاوض على العقود غير المجدية أو إنهاء الإيجارات التي لا تخدم المصلحة العامّة.

أمّا قبيسي فتحدّث عن مشكلة الهدر في الدولة، معتبرًا أنّه يبدأ من تعامل الدولة وقراءتها لمفهوم الواردات وتقييمها، متحدّثًا عن تعاطي الوزارات مع موضوع الأرقام وغياب التخطيط والتقييم والشفافيّة.

وشدّد ذبيان بدوره على ضرورة إعادة النظر في كيفية إدارة العقارات المستأجرة، بما يضمن الاستخدام الأمثل للمال العام وتحقيق الشفافية والكفاءة في إدارة الممتلكات العامّة ولاسيّما في ظلّ الأزمة الاقتصادية والمالية التي تمرّ بها البلاد وضمن سياق برامج إصلاحي للقطاع العام.

نقص المعلومات وعدم التزام المؤسّسات بقانون الحق في الوصول إلى المعلومات
خلال العمل على إعداد الدراسة، وبحسب كلارا بو غاريوس، قدّمت المبادرة طلبات للحصول على معلومات حول العقارات المستأجرة إلى 5 إدارات معنيّة، وذلك استنادًا إلى قانون الحق في الوصول إلى المعلومات. والإدارات هي: إدارة الأبحاث والتوجيه كونها تشرف على عقود الإيجار وتُحدّد مدى ملاءمتها للمعايير؛ التفتيش المركزي كونه يتمتع بصلاحيات رقابية تشمل الإدارات والبلديات؛ المديرية العامة للطرق والمباني كونها المرجع التقني والإداري لإدارة الأبنية الحكومية؛ وزارة المالية- مديرية المالية العامّة كونها تصدر المخصّصات المالية لمختلف الإدارات والمؤسسات العامة لتغطية بدلات الإيجارات وتحتفظ بالسجلات المحاسبية لجميع النفقات الحكومية؛ ومعهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، لأنّ وزارة المالية أحالت طلب المعلومات التي تقدّمت به “غربال”، إليه. ولم تتجاوب مع طلبات الحصول على المعلومات إلّا جهتان: التفتيش المركزي الذي اقتصر ردّه على معلومات عقد إيجاره هو؛ ومعهد باسل فليحان الذي أحال “غربال” إلى مديرية المالية العامّة، مُشيرًا إلى أنّه لا يوقّع العقود مباشرة.

وأمام هذا الواقع، شكّل المستند الصادر عن المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء الذي يتضمّن العقارات المستأجرة من قبل الدولة اللبنانية، مصدرًا أوّليًا وأساسيًا للدراسة إلّا أنّ هذا المستند أيضًا كانت تنقصه البيانات الكافية.

عقود لصالح جمعيات وجهات دينية ومصارف
خلصت الدراسة إلى وجود 59 جهة دينية ووقف (43 وقفًا و16 جهة دينيّة) تؤجّر عقارات للدولة، بقيمة إجماليّة تصل إلى حوالي 3.87 مليار ليرة سنويًا. ومن بين هذه الجهات، دائرة أوقاف قضاء صور الإسلامية وجمعية راهبات دير الصليب، والرهبنة اللبنانية المارونية – دير مار أنطونيوس في شكا، والرهبانية العازارية.

هذا بالإضافة إلى 38 جمعية يتبع معظمها إلى نافذين أو طوائف، أجّرت 7 إدارات و6 مؤسّسات عامّة بقيمة حوالي 6.261 مليار ليرة لبنانية سنويًا، منها جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية ومؤسسة الأمير مجيد أرسلان وجمعية التضامن الإنمائي في البابلية.

ومن حيث قيمة العقود، بيّنت الدراسة أنّ هناك عقدي إيجار لصالح شركة “سوليدير” كانا الأبرز من حيث ارتفاع قيمة بدل الإيجار. عقد استئجار وزارة الخارجية والمغتربين مبنى الإسكوا من “سوليدير” بقيمة 9.174 مليون دولار سنويًا ما يجعله الأعلى قيمة بين جميع عقود الإيجارات الحكومية. واللافت أنّ العقد لا يُحدّد حتى مساحة المبنى المُستأجر. أما العقد الثاني لصالح “سوليدير” فكان عقد مجلس الإنماء والإعمار مقابل بدل سنوي يبلغ 897.529 دولارًا سنويًا.

هل العقود قانونيّة؟
صحيح أنّ معظم العقود قد تكون قانونية من حيث الشكل، إلّا أنّ عددًا منها يثير شبهات جدية في ما خصّ مشروعيته لأسباب تتعلّق بغياب الوضوح في آليات التجديد وتغيرات غير مبررة في البدلات وتعدد العقود للعقار نفسه وارتباط بعض الجمعيات بسلطات سياسية واحتمال استخدام الجمعيات كواجهات لا تلتزم فعليًا بأهدافها غير الربحية.

وبالتالي لا بدّ من السؤال عن المعايير القانونية للإنفاق العام في هذه العقود حسب ما تُشير كلارا بو غاريوس، وذلك عبر التحقق من احترامها المادة 61 من قانون المحاسبة العمومية التي تلزم الإدارة بإبرام عقود الإيجار بالشروط “الأكثر توفيرًا للمال العام”، وأن تأخذ بعين الاعتبار عددًا من الأمور، منها أن يكون بدل الإيجار متناسبًا مع قيمة العقار واحتياجات المرفق العام فضلًا عن عدم تجزئة العقار الواحد على نحو اصطناعي لعقدين منفصلين من دون مبرر واقعي أو قانوني، واحترام مبدأ عدم تضارب المصالح.

ومن الأمثلة التي تطرح أسئلة والتي ذكرتها الدراسة على سبيل المثال لا الحصر، تأجير جمعية وليد جنبلاط التربوية مدرسة المختارة الرسمية بموجب عقدَي إيجار، الأوّل عام 1986 بقيمة 175,874,669 ليرة سنويًا، والثاني عام 2000 بقيمة 1,609,000. من الناحية القانونية، إنّ وجود عقدي إيجار منفصلين يتعلقان بالعقار نفسه خلال فترتين زمنيتين مختلفتين (1986 و2000) يضعنا أمام أحد احتمالين: إما أن يكون العقد الثاني قد أُبرم بوصفه تجديداً للعقد الأساسي ولكن بشروط مالية جديدة، وإما أن يكون عقدًا مستقلًّا أُبرم لاحقًا بالرغم من استمرار شغل العقار ذاته. علمًا أنّه لا يوجد تاريخ انتهاء للعقد الأوّل، وهو ما يستدعي التحقق من الأساس القانوني الذي استندت إليه الجهة المعنية في اعتماد هذا المسار التعاقدي. وحسب الأرقام، يتبيّن أنّ قيمة الإيجار كانت مرتفعة في العقد الأوّل ثمّ تحوّلت إلى مبلغ رمزي في العقد الثاني.

ومن الأمثلة أيضًا، استئجار مكتب مجلس الجنوب الرئيسي من جمعية “أمل المحرومين” مقابل بدل إيجار سنوي قدره 961,777,160 ليرة لبنانية لمساحة تبلغ 4,265 م². امتدت فترة العقد لحوالي 35 سنة. وبحسبة سريعة يتبيّن أنّ قيمة الإيجار الإجمالية تفوق 20 مليون دولار، وهو ما يثير التساؤل عمّا إذا كان من الأفضل استثمار المبالغ في شراء العقار بدلًا من الاستمرار في دفع الإيجار على مدى سنوات طويلة، وعن مدى احترام مبدأي فصل السلطات وعدم تضارب المصالح إذ إنّ الجهة المؤجِّرة جمعية ذات طابع سياسي– اجتماعي يرأسها رئيس مجلس النوّاب.

كما يستدعي هذا العقد، حسب الدراسة، التوقّف عند ما إذا كانت الجمعية تملك الصفة القانونية التي تخوّلها التأجير لمؤسّسة عامّة، ومدى التزام العقد بأحكام المادة 61 من قانون المحاسبة العمومية.

وزارة التربية أكبر المستأجرين
افتقر 544 عقد إيجار (ما يُعادل 41% من إجمالي عقود الإيجار) إلى تحديد الجهات المؤجّرة، ولكن من خلال العقود التي تذكر الجهة المؤجّرة تبيّن أنّ الإدارات والمؤسّسات العامّة استأجرت بشكل أساسي من أشخاص تليهم منظمات غير ربحية ومن ثم منظمات ربحية ومؤسسات عامّة وبلديات وجهات دينية وأوقاف. وفي المقابل تستحوذ وزارة التربية والتعليم العالي وحدها على 446 عقد إيجار تليها وزارة الداخلية والبلديات (151 عقدًا) ووزارة الشؤون الاجتماعية (95 عقدًا) وزارة الزراعة (44 عقدًا) ووزارة الصحة العامة (36 عقدًا) ووزارة الدفاع المدني (21 عقدًا).

وفي ما خص عقود وزارة التربية، تحتل العقود التي تأتي لصالح استئجار مبان للجامعة اللبنانية النسبة الأكبر (94 عقدًا).

التوصيات
توصّلت الدراسة إلى عدد من التوصيات أبرزها ضرورة الانتقال من فوضى الإيجارات إلى حوكمة فعّالة واعتماد الشفافية الفورية عن طريق نشر جميع عقود الإيجار العامة وتفعيل قانون الحق في الوصول إلى المعلومة، فضلًا عن التدقيق المالي والقانوني عبر إحالة العقود المشكوك فيها ولاسيما لجهة تضارب المصالح أو القيم العالية إلى ديوان المحاسبة والجهات الرقابية والمراجعة الشاملة.

كما شملت التوصيات تحديث آليات التقييم ووضع آلية موحدة لتقدير بدلات الإيجار بناء على معايير السوق العقاري وإلغاء التجديد التلقائي والتدخّل التشريعي والرقابي العاجل ومنع استخدام الإيجار العام لمصالح خاصة أو سياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى