الانتظام المالي، نهب رسمي للودائع تحت شعاري “الانضباط والانقاذ”

وُلد ما سُمّي زورًا «قانون الانتظام المالي» كطفل غير شرعي في ليلٍ حكوميٍّ معتم، بلا نقاش عام ولا مساءلة جدّية، على أيدي وزراء تعاملوا مع النص كأمرٍ واقع، وبمؤازرة مستشارين يتقنون ألعاب الأرقام أكثر من قراءة الدستور. الانتظام؟ نعم، لكنه انتظام في السطو، وفجوة في الضمير صُمّمت لابتلاع ودائع الناس، طبخت في الحكومة تحت شعار “الانضباط”، ثم قُدِّمت إلى المجلس النيابي مغلّفة بشعار «الإنقاذ».
هذا المشروع اختصر الطريق بدل ملاحقة الفاسدين: طارد دفاتر التوفير وترك المليارات المنهوبة حيث هي، وحوّل الملكية الفردية المصونة دستورياً إلى «تفاهم ظرفي»، وحقوق الإنسان إلى بند مؤجّل. والأسوأ أنه جاء نقضًا فاضحًا للوعود الرسمية: مسؤولون طمأنوا بأن الودائع «مقدّسة»، وآخر تعهد بأنها «خط أحمر»، فإذا بهذه القدسية تتحوّل فجأة إلى حبر خطابات جافّ عند أول امتحان فعلي.
الأدهى أن المنظومة السياسية والمصرفية والمالية والقضائية والأمنية اصطفّت كفرقة رقص متناسقة: السياسي يمرّر، المصرفي يهدّد، المالي يبرّر، القاضي يفسّر، والأمني يراقب الصمت. أما القوانين الوطنية والدولية التي تحمي الملكية الخاصة، فتم التعامل معها كآداب اختيارية تصلح للخطابات والمؤتمرات لا للتطبيق في دولة تحترم نفسها.
قيل إن هذا المسار «ضرورة»، وإن العالم كلّه مرّ بتجارب مشابهة. لكنهم تجاهلوا كيف خرجت آيسلندا بمحاسبة المصارف لا بمكافأتها، وكيف واجهت اليونان أزمتها بتوزيع عادل للأعباء، وكيف فرضت قبرص اقتطاعات ضمن قواعد واضحة وضمانات وتعويضات. في لبنان، اختير الطريق الأسهل: إرضاء صندوق النقد ومباركة الوصاية المالية لصندوق النقد على القطاع المصرفي عبر تسليم المودع فاتورة الفشل.
إن هذا المشروع ليس مجرّد خطأ تقني، بل خيانة موصوفة إذا ما أُقِرّ، وسيبقى وصمة تلاحق كل من يمرّره أو يغطّيه أو يصمت عنه. فمن يشرّع شطب الودائع يشرّع عمليًا مصادرة جنى العمر، ونسف الثقة، وكسر آخر ما تبقّى من العقد بين الدولة والمواطن.
لكن الشعب اللبناني ليس بريئًا بالكامل. صمت طويلًا، وراهن على زعماء كرّروا الوعود نفسها والسياسات ذاتها، وأعاد إنتاج السلطة عينها ولم يجمعه الجوع ولم توحده المصيبة . غير أن الشعوب تُخطئ لتتعلّم لا لتُباد. ومن فقد جنى عمره له الحق أن يغضب، وواجبه ألا يسكت، لأن الصمت هنا شراكة، والتكرار خضوع.
وسيقال صراحة للنواب قبل التصويت وللناخبين بعده، تذكّروا أن من يشرّع سرقة أموال الناس لا يملك أي أهلية أخلاقية لتمثيلهم، ولا يستحق ثقتهم ولا حتى صمتهم. فالمحاسبة ليست انتقامًا، بل حقّ ديمقراطي، وصناديق الاقتراع ستكون الميزان الأخير.
هذا ليس نداء كراهية، بل إنذار للمنظومة، إمّا دولة تحترم مواطنيها ووعودها ودستورها، وإمّا منظومة تُحاسَب وتُترك خارج التاريخ. فالأوطان لا تُبنى على قبور الودائع، ولا تُدفن الحقيقة تحت تراب النسيان،
فالثقة لا تُستعاد بقوانين صممت لتخدم الفساد وتشرع السرقة بل حين تُقال الحقيقة كاملة وتعاد الحقوق ،وكل لحظة تقدم فيه شعارات مزيفة،ويتقدم فيه الصمت على الحقيقة تزيد من وجوب المحاسبة غدا امام محكمة التاريخ او عدالة السماء .



