قانون الفجوة المالية: “صفقة على حساب المودعين.. هكذا تم إعفاء السياسيين الفاسدين

ألشفاف
ما أقرّته الحكومة لا يمكن توصيفه بوصفه “خطة إنقاذ” بقدر ما هو صفقة مكشوفة لتبييض الجرائم المالية المتراكمة. فالقانون، بصيغته التي أُقرّت، لا يحدّد بوضوح أي نسبة تتحمّلها الدولة من الخسائر، ويعمد عمليًا إلى رمي العبء على المصارف والمودعين معًا، ما يعني تحميل المواطنين ثمن انهيار لم يصنعوه، بل كانت المنظومة الحاكمة بمختلف أطيافها شريكًا أساسيًا في إنتاجه. وعندما يأتي الإقرار بإجماع أركان هذه المنظومة، يصبح من الصعب التعامل معه كحدث تقني أو مالي بحت، بل كمقايضة سياسية واضحة: تمرير القانون مقابل ضمان الحصانة من أي ملاحقة قضائية تتعلق بالارتكابات السابقة.
في هذا السياق، لا يبدو ما يجري معالجة فعلية للأزمة، بل إعادة توزيع منظّمة للنهب. إنها صفقة بين منظومة سياسية ـ مالية تبحث عن الإفلات من المحاسبة بعد أكثر من ثلاثة عقود من الفساد، عبر السمسرات والصفقات المشبوهة والسياسات المالية الخاطئة والعجز المزمن في الموازنات، وبين مجموعة اقتصادية جديدة تتحضّر للمرحلة المقبلة، للدخول إلى السوق المصرفي ببنوك “نظيفة” اسميًا، بعد إفلاس عدد كبير من المصارف الحالية، فيما تُدفن حقوق المودعين بلا أي أفق للإنصاف أو الاسترداد.
الأخطر أن هذه الحكومة لا تكتفي بتمرير القانون، بل تسعى عمليًا إلى تبييض صفحات كل الحكومات السابقة من دون أي مساءلة عن الارتكابات التي راكمت الفجوة المالية. وفي المقابل، تُرمى المسؤوليات على المصارف وحدها، متجاهلة أن هذه المصارف كانت، في مراحل كثيرة، مُرغمة على إقراض الدولة تحت طائلة الملاحقة القانونية أو الإدارية. ولا يزال مثال ما حصل مع فرنسوا باسيل عام 2014 حاضرًا في الأذهان، كدليل على طبيعة الضغوط التي مورست لإجبار المصارف على تمويل دولة مفلسة.
من الناحية الدستورية، لا يقل هذا القانون خطورة. ففي حال إقراره في المجلس النيابي، يصبح قابلًا للطعن أمام المجلس الدستوري، كونه يضرب مبدأ المساواة بين المواطنين ويميّز بين المودعين، سواء من حيث المعاملة أو من حيث تحمّل الخسائر، ما يشكّل مخالفة واضحة لأبسط القواعد الدستورية والحقوقية.
أما الحل، فكان معروفًا ولم يُطرح لأن المنظومة لا تريده. كان يمكن البدء بتجميد ثروات السياسيين الذين انتهت أموال الفجوة المالية في حساباتهم، واسترداد الأموال المنهوبة، وملاحقة كبار الموظفين الذين راكموا الثروات على مدى أربعين سنة من الفساد المستشري. لكن الخيار كان مختلفًا: الطريق الأسهل سياسيًا، والأكثر ظلمًا اجتماعيًا—سرقة الضحية مرتين، مرة عبر الانهيار، ومرة عبر تشريعه.



