هل دخلنا مرحلة الاغتيالات ؟

يواجه لبنان اليوم حالة من الانكشاف الأمني الشامل، حيث لم يعد الخطر مقتصرًا على الآلة العسكرية، بل تعداه إلى مخاطر تسييس الفوضى واستغلال الفوضى الاجتماعية. وتؤكد معطيات أمنية أن الخشية الحقيقية تكمن في تفعيل سلاح التصفيات السياسية، كصاعق تفجير لاستهداف السلم الأهلي، في توقيت تبلغ فيه حدة الاستقطاب الداخلي ذروتها، مما يضع البلاد أمام سيناريوهات الانفجار من الداخل.
المقلق في التقارير الأمنية هو اتساع دائرة الاستهداف المحتملة. فالمخاوف لم تعد تقتصر على اغتيال قيادات الصف الأول في حزب الله بجناحيه العسكري والسياسي، أو الشخصيات القريبة منه في ما يعرف بـ “محور المقاومة”، بل امتدت لتشمل الشخصيات المعارضة للحزب و”رؤوس الحربة” الذين جاهروا برفضهم لـ “حرب الإسناد” منذ الثامن من أكتوبر.
المعطيات الامنية تشير إلى أن اغتيال شخصية معارضة بارزة في هذا التوقيت المشحون قد يكون أكثر خطورة من اغتيال كادر حزبي. إذ إن الهدف من وراء ذلك هو توجيه أصابع الاتهام فوراً إلى الحزب وبيئته، مما يفجر صراعاً طائفياً ومناطقياً مباشراً. من الخارج أو الداخل، قد يجد في “تصفية المعارضين” وسيلة مثالية لضرب النسيج الاجتماعي اللبناني وإشغال الداخل ببعضه البعض، مما يؤدي إلى انهيار ما تبقى من هيكل الدولة.
تأتي هذه المخاوف في ظل واقع ديموغرافي واجتماعي ينزلق أكثر نحو المهوار الطائفي. لقد خلف النزوح الكبير من الجنوب والضاحية أعباءً هائلة على المناطق المضيفة، ورغم مظاهر التضامن الأولي، إلا أن “الاحتكاك اليومي” بدأ يفرز إشكالات فردية مرشحة للتحول إلى نزاعات طائفية عند أول شرارة.
ما يغذي هذا الاشتعال هو “حمى التخوين” التي تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الشاشات. يرى مؤيدو الحزب في كل صوت معارض للحرب “بوقاً إسرائيلياً” أو خائناً لدماء الشهداء، بينما يرى الطرف الآخر أن لبنان يُجر إلى دمار شامل بقرار أحادي. هذا الشرخ العمودي جعل من “خطاب الكراهية” مادة دسمة لرفع نسب المشاهدة “التريند”، من دون أدنى شعور بالمسؤولية الوطنية، مما حول الفضاء الرقمي إلى ساحة إعدام معنوي تسبق الإعدام الجسدي.
نجد أن لبنان غالباً ما يُدفع نحو الهاوية عبر بوابة الاغتيالات عند كل منعطف إقليمي كبير. من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 2005 الذي غير وجه البلاد، وصولاً إلى أحداث 7 أيار 2008. لطالما كان الدم هو المحرك الأول للتغيير السياسي القسري. واليوم، في ظل غياب الرقابة الإعلامية وتفلت “المؤثرين” على وسائل التواصل، أصبح التحريض أداة سهلة بيد أجهزة استخبارات خارجية تريد تحويل بيروت إلى ساحة تصفية حسابات كبرى.
تشدد المصادر الأمنية على أن الأجهزة وحدها لا تستطيع ضبط الشارع إذا لم يرفع الغطاء السياسي عن المحرضين. الكرة اليوم في ملعب القيادات الحزبية الكبرى لمطالبة جمهورها بضبط النفس ووقف لغة “الخيانة والعمالة” من جهة، ولغة “الشماتة والتحريض” من جهة أخرى.
إن غياب الرقابة الرسمية على الأداء الإعلامي ساهم في تعميق الفجوة، حيث باتت المنصات تبث سموماً تفتت النسيج الاجتماعي تحت شعار حرية التعبير، بينما الحقيقة هي أن هذه السموم تمهد الأرضية النفسية لتقبل وقوع عمليات اغتيال أو اشكالات دموية في الشارع.
وفي الخلاصة، إن استهداف أي مبنى في بيروت أو أي شخصية سياسية، بغض النظر عن انتمائها، يجب أن يُقرأ في سياق محاولة “هدم الهيكل اللبناني” فوق رؤوس الجميع. إسرائيل تجد في الفوضى اللبنانية بيئة خصبة لتحقيق أهدافها من دون الحاجة لتدخل بري واسع في كل المناطق، واللبنانيون مدعوون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لإدراك أن “التريند” الذي يصنعه خطاب الكراهية اليوم قد يتحول إلى “جنازة” غداً يُشيّع فيها السلم الأهلي إلى مثواه الأخير.



