أخبار محلية

بين طهران و بيروت من يملك قرار الحرب؟

في وقت تتسارع فيه دقات ساعة الحرب نحو مستويات غير مسبوقة من التدمير، خرج الشيخ نعيم قاسم برسالة وجدانية وسياسية موجهة إلى العناصر الميدانية، حملت في طياتها محاولة لترميم المعنويات والتأكيد على استمرارية الهيكل القيادي رغم الضربات القاصمة التي طالت الصف الأول. غير أن التدقيق في مضامين هذه الرسالة يكشف عن هوة واسعة بين الخطاب التعبوي والواقع الجيوسياسي الذي يحيط بلبنان.

تكريس التبعية العابرة للحدود

أبرز ما حملته الكلمة كان الإعلان الصريح عن الارتباط العضوي بالقيادة الإيرانية الجديدة ممثلة بالسيد مجتبى خامنئي. هذا التأكيد لا يضع التنظيم في مواجهة مع الداخل اللبناني فحسب، بل يكرس الانطباع بأن الساحة اللبنانية تحولت إلى مجرد “مصدّ أمني” متقدم لحماية المصالح الإيرانية في المنطقة.

إن ربط مصير آلاف المقاتلين والمدنيين اللبنانيين بمسار “الولاية” في طهران، يعزز المخاوف السيادية من اضمحلال دور الدولة اللبنانية لصالح أجندات إقليمية لا تضع الأولوية للمصلحة الوطنية المحضة.

شروط التفاوض: سقف مرتفع في زمن الانكسار

طرح قاسم ثلاثية “الانسحاب، والتعويض، والعودة” كقاعدة وحيدة لإنهاء النزاع. وبالرغم من مشروعية هذه المطالب من الناحية الوطنية، إلا أن طرحها بلسان فصيل مسلح يتجاهل تماماً موازين القوى الميدانية وضغوط المجتمع الدولي.

إقرأ أيضا: نعيم قاسم في رسالة للمقاتلين: الحل هو وقف العدوان والانسحاب.. والميدان هو من يحسم المعركة

فالمطالبة بالإعمار والعودة في ظل استمرار العمليات القتالية، تبدو وكأنها قفزة فوق الواقع؛ إذ إن هذه الاستحقاقات تتطلب اعترافاً صريحاً بسلطة الدولة والقرار الدولي 1701، وهو ما لا يزال التنظيم يناور حوله، متمسكاً بخيار “الميدان” الذي استنزف البشر والحجر.

المأزق اللبناني: تنظيم في الحكومة وقرار في مكان آخر

تفتح رسالة قاسم، وما تبعها من تصريحات لقيادات الحزب، الباب واسعاً أمام معضلة دستورية وأخلاقية: كيف يستقيم وجود ممثلين لهذا المكون داخل مؤسسات الحكم الرسمية، بينما تدار قرارات الحرب والسلم والولاء من خارج الحدود؟ هذا الانفصام السياسي يعيق أي جهد حكومي جاد للإنقاذ، ويضع لبنان في عزلة دولية خانقة، حيث يُنظر للحكومة اللبنانية كغطاء لقرار عسكري لا تملك سلطة الرقابة عليه.

الميدان والنزوح: كلفة الرهانات الكبرى

على الأرض، وبينما كان قاسم يتحدث عن “بشرى المستقبل”، كانت مدينة صور ومحيطها تواجه أكبر موجة إفراغ سكاني قسري نتيجة الإنذارات العسكرية الواسعة.

هذا التباين الصارخ بين “نشوة الخطاب” ومرارة “التهجير” يضع بيئة التنظيم أمام تساؤلات قاسية حول جدوى استراتيجية “الإسناد” التي لم تجلب سوى الدمار والشتات، وحولت القرى والمدن الآمنة إلى ساحات مواجهة مفتوحة لا أفق لنهايتها.

إقرأ أيضا: علي لاريجاني: «مهندس التوازنات» الذي رحل في ذروة العاصفة

رسالة نعيم قاسم هي محاولة لفرض “أمر واقع” سياسي وعسكري، لكنها تعكس في جوهرها هروباً من استحقاقات الداخل اللبناني.

إن الإصرار على مسار المواجهة تحت عباءة القيادة الإيرانية الجديدة، دون الالتفات إلى حالة الانهيار الشامل في البلاد، يضع لبنان أمام خيارين: إما العودة إلى كنف الدولة والقرارات الشرعية، أو الاستمرار في رحلة مجهولة العواقب يدفع ثمنها المواطن اللبناني من أمنه ووجوده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى