الضاحية تحت الإنذار الدائم: لماذا يريدها الجيش الإسرائيلي فارغة؟

تشير جميع المعطيات إلى أن الحرب بين اسرائيل وحزب الله قد تمتدّ لأسابيع في أفضل التقديرات، أما في المنظور العسكري فهي مرشحة للتصعيد على مدى شهور عدة نظراً للاهداف المرتفعة السقف التي يعمل على تحقيقها ميدانياً طرفا النزاع. فالعمليات العسكرية تتدحرج وتتصاعد بشكل يومي ما يعكس مستوى خطيرا من التصعيد مع اشتعال الجبهات والمناورات البرية بين محاولات إنزال اسرائيلي بقاعاً وصدّ وردّ جنوباً وتحديداً في منطقة الخيام حيث نقطة الحسم وإعلان ساعة الصفر للاجتياح البري نحو قرى الصف الثاني من الحدود. كل ذلك يؤشّر الى ان المواجهات الدائرة لن يكون مداها الزمني قصيراً مقابل انسداد أفق الحلول السياسية، فلا مخارج جدية متاحة بعد للتوصل الى تفاوض مباشر يشترطه الجانب الاسرائيلي إيذاناً بإعلان هدنة عسكرية في المدى القريب.
ساحة القتال المفتوحة جنوباً ناهيك عن رسم سيناريوهات الدخول الاسرائيلي الى اجزاء من البقاع انطلاقاً من البوابة السورية المفتوحة، لا تنفصل عن الاهداف البعيدة التي تسعى اليها تل ابيب في افراغ المناطق الشيعية وفرض تغيير ديموغرافي ضمن استراتيجية اوسع تهدف الى اضعاف حزب الله والقضاء على بنيته العسكرية. وفي هذا السياق بدا افراغ الضاحية الجنوبية التي تُعدّ مركز الثقل السياسي والاجتماعي لحزب الله ومركزا اساسيا لتخطيط عملياته العسكرية تمهيداً لمرحلة جديدة تُرسم بالنار.
في موازاة الحسابات العسكرية هذه، يمكن الجزم ان المشهد في الضاحية يتخذ منحى دراماتيكيا اكثر فأكثر، وبين سيناريو غزة والاستنزاف
الاجتماعي، لم تعد المنشورات التحذيرية الاسرائيلية المتكررة يومياً والتي تدعو السكان الى المغادرة سوى رسائل ترهيب تمهيداً الى فراغ عمراني لأحياء كبيرة، وشمول الانذار “العاجل” سكان حارة حريك، الغبيري، الليلكي، الحدث، برج البراجنة، تحويطة الغدير والشياح، إفساحاً في حرية حركة الطائرات الحربية واستهداف ما تزعم اسرائيل انه بنى تحتية وتنظيمية للحزب يشكل تقييداً لالاف العائلات ودفعها الى المغادرة على امل اللاعودة حتى اجل غير معلوم تمهيدا الى الافراغ الممنهج، فالضاحية ليست مجرد حيّ سكني بل تشكل في المفهوم الاسرائيلي عقدة التقاء “التنظيم” السياسي وقاعدته الشعبية الاكثر وضوحاً وتماسكاً ومعقله الاعلامي وعمقه الديموغرافي – الاجتماعي.
الصورة اليوم في الضاحية تشبه غزة في كثير من تفاصيلها المأساوية: شوارع منكوبة ومجرفة بالكامل وأبنية تحولت الى اشلاء من الاسمنت واخرى سويت بالارض، لوحات متطايرة واعمدة ملتوية وانبعاثات كثيفة من الغبار والسموم، فتهديد مبنى بعينه واسقاطه حسبما ينقل شهود عيان، اصبح كفيلا بتحويل الشارع كله الى ركام.
في المحصلة، تبدو الضاحية اليوم أمام لحظة مفصلية، هي لا تشبه الجنوب او البقاع بل تشكل عقدة محورية ومركز الثقل الاقتصادي للكثير من الاعمال التي راكمها ابناؤها على مدى عقود لتكون مركزا اقتصاديا واجتماعيا لا يمكن تعويضه في اي مساحة جغرافية اخرى، وما يجري اليوم ليس مجرد عمليات عسكرية تهدف إلى التدمير فحسب، بل يوحي بمحاولة إعادة تلك البقعة إلى حالتها كما كانت قبل زمن حزب الله.



