شيطنة الجيش: تمهيد لتقسيم لبنان

هل اقتربت ساعة تفكيك “صمام الأمان” الأخير في لبنان؟ سؤال يفرض نفسه بقوة مع تداخل الدماء النازفة من أجساد العسكريين في النبطية والدوير، بمداد التقارير الدولية التي تحيك “مؤامرة صامتة” ضد قيادة الجيش. فبين استهداف ميداني إسرائيلي يسعى لإخلاء الأرض، وضغط دبلوماسي أميركي يحاول تطويع البندقية اللبنانية أو كسرها، يبدو أن القرار قد اتُخذ بوضع المؤسسة العسكرية أمام خيارين أحلاهما مر: الانصياع لأجندات “الخطوة بخطوة” أو مواجهة الانفجار من الداخل.
لم يكن سقوط ثلاثة شهداء من العسكريين في مناطق زبدين وقعقعية الجسر والدوير مجرد “خطأ تقني” كما يحاول الجيش الإسرائيلي الترويج له عبر بيانات “قيد التحقيق”. إن استهداف جنود بزيّهم العسكري أثناء تنقلهم هو رسالة ضغط دموية تهدف إلى إفراغ منطقة جنوب الليطاني من أي وجود رسمي لبناني. تسعى إسرائيل من خلال “ترهيب” العسكريين إلى خلق حالة من التردد الميداني، ومنع وجود “شهود دوليين ورسميين” على عملياتها التدميرية، مما يضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار الوجود: هل تنسحب وتترك السيادة مستباحة، أم تصمد وتدفع ثمن البقاء دماً؟
بالتوازي مع العدوان الميداني، تبرز هجمة سياسية “مبطنة” تقودها أطراف دولية. فالكلام عن قائد الجيش العماد رودولف هيكل وتناوله من قبل البعض على انه وديعة لهذا الطرف أو ذاك هو تصويب على مؤسسة، فضرب هيبة القيادة يعني ضرب الهيكل العسكري. هناك من يسعى في الداخل والخارج إلى تصوير الجيش كجزء من “الدولة العميقة” التي لا تتماشى مع الرؤية الأميركية الإسرائيلية للمنطقة. هذه الحملة تهدف
صراحة إلى “ابتزاز” الجيش بمساعداته المالية واللوجستية، وربط استمرار الدعم بمدى استعداده للدخول في مواجهة مباشرة وحاسمة مع الداخل اللبناني، وتحديداً حول ملف سلاح حزب الله.
الجميع يذكر تصريحات المبعوث الاميركي السابق توم براك وسياسة الخطوة بخطوة، فهو ليس سوى غطاء لمشروع أميركي جرى تمريره حكومياً تحت ضغوط هائلة. الخطورة تكمن في أن أي ربط لتجهيز الجيش وتسليحه بمهمة “حصرية السلاح”، قد يفضي إلى انهيار السلم الأهلي وانزلاق البلاد نحو فوضى طائفية. يسعى البعض، وفي لعبة خطيرة الى دفع الجيش اللبناني نحو “الفتنة” التي يشتهيها بعض من في الخارج، وسط مخاوف جدية من انفجار داخلي يغذيه النزوح الكثيف وطول أمد الحرب.
إن استهداف الجيش في الجنوب، والضغط عليه في واشنطن، والتحذيرات الفرنسية والأوروبية من انزلاقه نحو الصدام، كلها عناصر ترسم مشهداً سوداوياً. القيادة العسكرية والسياسية تقاوم بأسلوبها الوطني لحماية السلم الاهلي، رافضة الانجرار لمواجهات داخلية، أو الرضوخ لشروط دولية قد تمنح الجيش السلاح ولكنها ستنزع عنه “الوطن”.
يثبت الجيش اللبناني أنه “حجر العثرة” الوحيد أمام مشاريع إعادة رسم الخريطة اللبنانية بدم بارد. فهل تنجح الضغوط في كسر هذه المؤسسة، أم أن الجيش سيبقى صامداً في وجه “الواشين” و”النوايا التدميرية”، مفضلاً الحفاظ على بقايا السلم الأهلي على حساب المكتسبات السياسية والمادية المشروطة؟ الأيام القادمة، مع احتمال إقامة “منطقة عازلة”، ستحدد ما إذا كان لبنان سيتجه نحو الهاوية، أم سيبقي على سياسة “الخطوة بخطوة” مساراً نحو الحل لا نحو الانفجار.



