أخبار محلية

المجلس الشيعي الأعلى وتغريبة النازحين: «الأب» الذي تبرأ من أبنائه في ليلة الحرب!

في غمرة النزوح المرير الذي يضرب لبنان، وفي وقت يفترش فيه مئات الآلاف من اللبنانيين — وأغلبهم من الطائفة الشيعية — الأرصفة والحدائق العامة وتحت الجسور، برز موقف صادم من نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ علي الخطيب.

فبدلاً من أن تتحول أروقة المجلس وقاعاته وميزانياته إلى غرف عمليات لإغاثة “أهله”، خرج الخطيب ليحيل النازحين إلى “الدولة”، معلناً بشكل ضمني عجز المجلس عن تقديم مأوى أو عون.

هذا الموقف لم يمر كخبر عابر، بل فجر تساؤلات وجودية حول دور هذه المؤسسة وجدواها في اللحظات المصيرية.

سقوط القناع عن “الأب الروحي”

تأسس المجلس الشيعي الأعلى ليكون صمام أمان وحصناً للطائفة، وصوتاً للمحرومين الذين نادى بإسمهم الإمام موسى الصدر.

لكن اليوم، يبدو المشهد مقلوباً تماماً، فبينما يُدفع أبناء الطائفة نحو حروب “إسناد” إقليمية خدمةً للأجندة الإيرانية، يجدون أنفسهم بلا شبكة أمان اجتماعية أو دينية عند وقوع الكارثة.

إن تملص المجلس من مسؤولياته وإلقاء اللوم على الدولة — التي يدرك الجميع أنها منهكة ومفرغة من قدراتها — هو بمثابة “تخلٍ شرعي وأخلاقي” عن الرعية في وقت الضيق.

الشيخ علي الخطيب

أين تذهب ميزانيات الأوقاف؟

اللبنانيون، والنازحون منهم تحديداً، يسألون اليوم بمرارة: أين هي أموال الأوقاف الشيعية؟ وأين هي الاستثمارات والمؤسسات التابعة للمجلس التي شيدت بجهود وتبرعات المؤمنين على مدى عقود؟ إن الزعم بأن المجلس لا يملك القدرة على الإيواء هو إعلان “إفلاس أخلاقي” قبل أن يكون مالياً.

فالمجلس الذي يملك من العقارات والموارد ما يكفي لفتح مراكز إيواء كريمة، اختار الانكفاء، تاركاً العائلات لمصيرها تحت رحمة الجمعيات الأهلية والمبادرات الفردية التي تقوم بما عجزت عنه “المرجعيات الرسمية”.

الناس وقود للحرب.. والدولة حمالة للحطب

المفارقة المؤلمة تكمن في أن الجهة السياسية التي يهيمن قرارها على المجلس هي نفسها التي اتخذت قرار الحرب.

فكيف يستقيم أن تملك “حق” جر البلاد إلى مواجهة وجودية، ولا تملك “واجب” إيواء من هُدمت بيوتهم نتيجة هذا القرار؟

إقرأ أيضا: سيكولوجيا الاقتلاع: الأبعاد العميقة للنزوح وتأثيرات الحرب على الروح والجماعة

إن إرسال الناس إلى “الدولة” هو نوع من المراوغة السياسية، فالدولة في منطقهم هي المسؤول الأول عن الفشل، بينما “المقاومة” هي المسؤول الأول عن الانتصارات المزعومة.

اليوم، يرفض النازحون هذه القسمة الضيزى، وهم يرون أطفالهم ينامون في السيارات وعلى حواف الطرقات.

أي مجلس هو هذا؟

إن أي مؤسسة دينية تفقد صلتها بالإنسان وبوجعه اليومي، تفقد شرعيتها المعنوية. المجلس الشيعي اليوم لا يبدو كـ “أب” يحضن أبناءه، بل كـ “جهاز بيروقراطي” يبرر الفشل ويغطي على قصور القوى السياسية التي يتبع لها.

إن ترك الناس بهذه الطريقة المهينة هو طعنة في كرامة كل لبناني، وتأكيد على أن المصالح الإقليمية باتت تتقدم على الأمان الإنساني والوطني.

لقد أثبتت أزمة النزوح الحالية أن هناك هوة سحيقة بين قيادة المجلس وبين نبض الشارع. إن النازح الشيعي اليوم يشعر بالغربة مرتين: مرة لأنه هُجر من أرضه، ومرة لأن “بيته الطائفي الكبير” أغلق الأبواب في وجهه. وإذا لم يستدرك المجلس هذا السقوط المريع بمبادرات ميدانية تليق بكرامة الناس، فإن التاريخ سيسجل أن المجلس في عام 2026 كان شريكاً في “التغريبة” ولم يكن شريكاً في “الإغاثة”.

موقع جنوبية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى