
لم يكن ينقص الطائفة الشيعية اللبنانية، لتأكيد نكبتها على كل المستويات، سوى تصريح أعلى مسؤول ديني رسمي عنها في لبنان، وهو هنا نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الممدَّد له الشيخ علي الخطيب، حول عدم مسؤولية مجلسه عن النازحين، قائلاً لهم بفظاظة: “روحوا لعند الدولة”.
ثنائي يحكم الطائفة… ويقودها إلى المأزق
يأتي هذا التصريح المستغرب، والذي لاقى استهجاناً عاماً لدى شريحة واسعة من الشيعة واللبنانيين، في وقت تمر فيه الطائفة الشيعية – وبالتالي لبنان – بما يشبه النكبة الكبرى على كل المستويات، والتي بدأت معالمها تظهر منذ أن باتت عالقة عملياً بين ثنائي حاكم متحكم بها، طرفه الأول شيخ معمَّم يقود حزباً عسكرياً مغامراً كان سبباً في حصول النكبة بسبب تفرده بقرار ما أسماها “حرب الإسناد لغزة”، ويعمقها اليوم عبر حرب “إسناد إيران”، والطرف الثاني زعيم سياسي مخضرم أشبه بالحاوي يختصر بنفسه حركة سياسية تختصر هي بدورها الطائفة في مراكز الدولة الرسمية، حيث بات همها احتكار السلطة، الأمر الذي جعل منها حركة تائهة ومشلولة أمام سطوة الحزب الأول الذي دخلت معه بعلاقة تشاركية على طريقة “شيلني وأشيلك”، بحيث باتت كغيرها من الأطراف السياسية اللبنانية في دائرة رد الفعل، تتلقى الأحداث وتتعامل معها كأمر واقع لا مفر منه، مع ما حمله هذا الأمر من خطر وجودي على الطائفة الشيعية أولاً نرى نتائجه اليوم، وعلى لبنان بشكل عام ثانياً.
نبيه بري… من “الأخ الأكبر” إلى “الصامت الأكبر”
المثير للدهشة والاستغراب اليوم أن الزعيم الذي لطالما لُقِّب بالضمانة للبنان من جهة، وبـ”الأخ الأكبر” من جهة أخرى، وهو الرئيس نبيه بري، مارس هذه المرة دور “الصامت الأكبر” مع بداية المغامرة الجديدة التي دخلها حزب الله وأدخل الطائفة ولبنان معه فيها “ثأراً” للمرشد الإيراني علي خامنئي، وإسناداً لإيران في حربها مع أميركا وإسرائيل، وهو صمت بدا محيِّراً في البداية، خاصة وأنه كان في وقت أشد ما تكون فيه الطائفة بحاجة إلى صوته، في ظل غياب أي مكوِّن آخر فيها يمكنه المبادرة، وذلك بحكم مصادرة القرار السياسي للطائفة، ما أثار قلق الكثيرين، قبل أن يرسل إشارة أولى عن بداية تمايز، وذلك عندما صوَّت وزراؤه إلى جانب قرار الحكومة بمنع أي نشاط عسكري وأمني لحزب الله، خاصة وأن الطائفة في شقها الديني يمثِّلها مجلس عاجز يقوده شيخ ممدَّد له ينطق عن هوى، وهو مجلس مُصادَر أصلاً ويقع تحت وصاية الثنائي نفسه.
النكبة تتجاوز السياسة… إلى الانهيار الأخلاقي
هذا في الشق السياسي والأمني والاجتماعي، إلا أن الواقع المعاش، للأسف، يشي بأن هذه النكبة التي تعيشها الطائفة لم تعد مقتصرة على هذه المستويات فقط، بل تعدتها إلى الشق الأخلاقي، الذي يتمثَّل بحملة ترهيب وشتم وهتك أعراض على وسائل التواصل الاجتماعي – طالنا حصة منها – لكل صوت يعلو منتقداً أو متسائلاً عن جدوى الدخول في حرب جديدة، في الوقت الذي لم تستفق فيه البيئة بعد من تبعات الحرب الماضية، من تدمير للممتلكات وتهجير لسكان القرى الأمامية الذين ما زالوا يعانون الأمرَّين جراءها، حتى ولو كان هذا الانتقاد أو التساؤل بعيداً عن الهوى السياسي، بل هو مجرد صرخة ألم ووجع لم يعد يُطاق.
بيان “الضباط الوطنيين”… الترهيب بنسخته العسكرية
الأخطر في الموضوع أن الترهيب لم يقتصر فقط على الناس العاديين المنكوبين في حياتهم والهائمين على وجوههم في الشوارع والساحات والقرى، بل وصل الأمر حد تظهير بيان في جريدة “الأخبار” التابعة لمنظومة حزب الله الإعلامية، يتحدث باسم “الضباط الوطنيين” ويحذر من محاولة وضع الجيش بمواجهة “المقاومة”، وهو ما يهدف إلى توجيه الرسائل في عدة اتجاهات، أولاً باتجاه “ترهيب” السلطة السياسية في البلد، وذلك عبر التهديد باللعب بورقة الجيش، وثانياً باتجاه ممارسة ضغوط على قيادة الجيش من مغبة تنفيذ أي قرار قد تتخذه القيادة السياسية في مقبل الأيام، وثالثاً، وهو الأهم برأيي، هو باتجاه “ترهيب” الضباط الشيعة وكذلك الأفراد العاملين في الجيش، وعندما يأتي البيان على صفحات جريدة كجريدة “الأخبار”، وهي من هي في مجال التهديدات، لا يسعنا إلا العودة إلى تهديد كانت قد أطلقته هذه المطبوعة ضد المعارضين الشيعة تحت عنوان “تحسسوا رقابكم”، ولكن هذه المرة بنسخة عسكرية، الأمر الذي ينم عن عقلية فاشية تتطلب المساءلة السريعة والمحاسبة لهذه الأساليب التي تُظهر كم أن الطائفة الشيعية بات يصح فيها القول بأنها “الطائفة المنكوبة” بكل مناحي الحياة فيها.
هل يبادر العقلاء قبل فوات الأوان؟
ما يجعل مستقبلها ومستقبل أبنائها في مهب المجهول، إذا لم يسارع بعض من تبقى من عقلاء فيها إلى التحرك السريع والحاسم قبل فوات الأوان، لإعادة الطائفة إلى سكتها الصحيحة والحقيقية، وإخراجها من النفق الذي وُضعت فيه منذ حوالي 40 سنة، نفق الظلم والظلام، البعيد كل البعد عن تراثها وتاريخها في كل المجالات، خاصة الفكرية منها، فهل من مبادر؟



