التضخم يطرق أبواب لبنان… ضربة جديدة لجيوب اللبنانيين في الظروف الصعبة!

“ليبانون ديبايت”
في ظلّ التقلّبات الحادة التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية، عاد ملف انعكاس ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد اللبناني إلى الواجهة، خصوصاً مع القفزات التي يسجلها سعر البرميل وما يرافقها من مخاوف بشأن التضخم وتراجع القدرة الشرائية.
وفي هذا الإطار، حذّر الخبير الاقتصادي أنيس بو دياب في حديث إلى “ليبانون ديبايت” من أن استمرار الأوضاع الحالية وارتفاع أسعار النفط سيترك تداعيات مباشرة على الاقتصاد اللبناني، لافتاً إلى أن سعر البرميل شهد خلال الأيام الماضية تذبذباً ملحوظاً، إذ ارتفع إلى حدود 120 دولاراً قبل أن يتراجع من نحو 89 دولاراً إلى قرابة 84 دولاراً، ما يعكس حالة عدم الاستقرار في الأسواق.
وأوضح بو دياب أن هذه التقلبات ستنعكس حتماً على الأسعار، مشيراً إلى أن التقديرات الاقتصادية، ومن بينها تقديرات صندوق النقد الدولي، تشير إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10 في المئة في أسعار النفط يؤدي إلى زيادة في معدلات التضخم تتراوح بين 0.3 و0.4 في المئة، موضحاً أن تأثير النفط لا يقتصر على كونه سلعة استهلاكية فحسب، بل هو سلعة استراتيجية تدخل في كلفة إنتاج معظم السلع والخدمات، سواء من حيث التصنيع أو النقل والتوزيع، ما يؤدي إلى سلسلة متتالية من ارتفاع الأسعار.
وأشار إلى أن تأثير ارتفاع أسعار النفط يكون مضاعفاً في لبنان مقارنة ببعض الدول المنتجة، إذ تستفيد الدول النفطية من زيادة إيراداتها، في حين أن لبنان، بصفته بلداً مستورداً للطاقة، يتكبد كلفة إضافية مع كل ارتفاع في الأسعار.
ولفت إلى أن فاتورة الاستيراد النفطي في لبنان تتراوح سنوياً بين خمسة وخمسة مليارات ونصف المليار دولار، ما يعني أن أي زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار النفط سترفع مباشرة كلفة الاستيراد.
وأضاف أن هذا الأمر ينعكس بدوره على ميزان المدفوعات ويزيد الضغط على سعر صرف العملة الوطنية، نظراً إلى الحاجة المتزايدة للدولار الأميركي لتأمين استيراد المحروقات، كما أن ارتفاع أسعار النفط يؤدي تلقائياً إلى ارتفاع أسعار السلع الأخرى، لا سيما أن لبنان يستورد أكثر من 80 في المئة من حاجاته الاستهلاكية.
وأكد بو دياب أن استمرار الحرب أو التوترات لفترة أطول سيؤدي إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار، ما ينعكس تراجعاً إضافياً في القدرة الشرائية للرواتب والأجور.
وأوضح أن أي تضخم مستورد، بغض النظر عن العملة التي تتم بها عمليات الاستيراد سواء باليورو أو الدولار، سيؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار السلع في السوق المحلية، وبالتالي إلى تراجع القيمة الفعلية لرواتب المواطنين بالعملة الوطنية.
كما لفت إلى أن تراجع القدرة الشرائية سينعكس أيضاً على إيرادات الدولة، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من واردات الخزينة يأتي من الضرائب غير المباشرة، ولا سيما الضريبة على القيمة المضافة المرتبطة بالاستهلاك. وبالتالي فإن انخفاض الاستهلاك نتيجة تراجع القدرة الشرائية سيؤدي إلى تراجع إيرادات الدولة.
وحذّر بو دياب من أن هذا الواقع قد يعيد المالية العامة إلى دوامة العجز في الموازنة، بعدما تمكن لبنان في السنوات الأخيرة من الانتقال من موازنات تعاني عجزاً كبيراً إلى محاولات تحقيق توازن نسبي في الموازنات، وهو ما قد يصبح مهدداً في حال استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلفة الاستيراد.
ولفت إلى المخاوف المتزايدة المرتبطة بالتطورات في مضيق هرمز، مشيراً إلى أن هذا الممر البحري يشكّل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز في العالم.
وأوضح بو دياب أن إغلاق المضيق أو تعطل حركة الملاحة فيه لن يؤثر مباشرة على استيراد لبنان للنفط والغاز، لأن لبنان يستورد حاجاته أساساً عبر البحر من دول أوروبية مثل اليونان وإسبانيا وغيرها من الدول الأوروبية، وليس عبر المضيق. إلا أنه شدد على أن التأثير غير المباشر سيكون كبيراً، إذ إن أي اضطراب في هذا الممر سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً نتيجة تراجع الإمدادات في الأسواق، ما ينعكس تلقائياً ارتفاعاً في الأسعار.
وأضاف أنه كلما طال أمد الأزمة تقل الكميات المتوافرة في السوق وترتفع الأسعار بشكل أكبر، لافتاً إلى تقديرات متداولة تشير إلى احتمال وصول سعر برميل النفط إلى نحو 200 دولار في حال إغلاق المضيق لمدة شهر أو أكثر.
وفي المقابل، أشار إلى أن إحدى الخطوات التي قد تساهم في تخفيف الصدمة على الأسواق هي إعلان وكالة الطاقة الدولية إمكانية استخدام جزء من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي العالمي، والمقدّر بنحو 400 مليون برميل، وهو ما قد يغطي حاجة السوق لفترة تتراوح بين 26 و30 يوماً ويساعد على تحقيق نوع من التوازن المؤقت في الأسعار.
وختم بو دياب بالتأكيد أن أي موجة تضخم عالمية في أسعار الطاقة تشكل تحدياً كبيراً، لا سيما بالنسبة للبنان الذي قد يواجه أزمة اقتصادية أعمق في حال استمرار التصعيد، مشدداً على ضرورة ترقب مسار التطورات في المرحلة المقبلة.



