عن قائد الجيش… هذا ما أبلغه عون للمحرضين

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى وزارة الدفاع وقيادة الجيش في اليرزة مجرد تفقّد ميداني تفرضه مقتضيات القائد الأعلى للقوات المسلحة، بل جاءت بمثابة إعلان سيادي حاسم و”بيان إسناد” استراتيجي في لحظة تقاطعت فيها نيران العدوان الخارجي مع سموم التحريض الداخلي. إن القراءة المتأنية في دلالات هذا التحرك الرئاسي تكشف عن رغبة جادة في رسم خطوط حمراء عريضة حول المؤسسة العسكرية، وتظهيرها كقلعة أخيرة ممتنعة على “النهش” السياسي والابتزاز الذي تمارسه بعض القوى التي استثمرت الوشاية في غرف القرار الدولي. الرئيس عون، الذي انطلق من خلفية عسكرية وخَبِر كواليس القيادة في أحلك الظروف، أراد من اليرزة إرسال برقية عاجلة إلى عواصم القرار، وتحديداً واشنطن، مفادها بأن الجيش اللبناني وقائده العماد رودولف هيكل ليسوا رهائن للأجندات الموجهة أو لتقارير “المجموعات الضاغطة” التي تسعى لتصوير المؤسسة كفصيلٍ منحاز، بينما هي في الواقع تمارس “فن الممكن” في تركيبة طائفية معقدة.
إن “الأوركسترا” التحريضية التي تنشط في كواليس واشنطن، وفق ما تؤكده الروايات الرسمية المسربة، لا تكتفي بانتقاد أداء الجيش في منطقة جنوب الليطاني، بل تذهب بعيداً نحو محاولة إحداث “شرخٍ عضوي” بين السلطة السياسية والقيادة العسكرية، عبر تضخيم النقاشات التقنية داخل مجلس الوزراء وتصويرها كتمردٍ على القرار الحكومي. وهنا يأتي الرد الرئاسي ليعيد الاعتبار لـ “مدرسة الجيش” التي تؤمن بأن تنفيذ القرارات السياسية، بما فيها خطط حصر السلاح، لا يتم عبر الانتحار الميداني أو
استدراج الفتنة، بل من خلال ميزانٍ دقيق يراعي مصلحة الوطن العليا والظروف الأمنية القاهرة. إن محاولة تصوير العماد رودولف هيكل كأنه يغرد خارج سرب الدولة هي “تجديفٌ سياسي” ومحاولة لضرب الثقة الدولية بالمؤسسة، وهو ما واجهه الرئيس عون بوضوحٍ لا لبس فيه حين اعتبر أن المساس بقائد الجيش هو استهدافٌ مباشر لمقام رئاسة الجمهورية وللهيكل الدستوري للبلاد، مقفلاً بذلك الباب أمام أي “همسٍ” داخلي أو خارجي يلوّح بالإقالة أو التغيير في زمن الحرب.
ونجد أن الصرخة التي أطلقها الرئيس عون من اليرزة هي صدىً لصرخاتٍ سابقة أطلقها حين كان قائداً للجيش خلال ثورة 17 تشرين، عندما حاولت بعض القوى السياسية جره إلى صدامٍ مع الشارع أو اتهامه بالانحياز. اليوم، يعيد التاريخ نفسه بوجوهٍ جديدة ولكن بالأهداف التقسيمية ذاتها، حيث تبرز “المجموعات الضاغطة” كأداةٍ للضغط المالي والمعنوي، تلاحق العسكريين حتى في رواتبهم الزهيدة وتشكك في وطنيتهم عند كل استحقاق ميداني. لقد كان كلام الرئيس عون حول “السلال الفارغة” بمثابة تشخيصٍ دقيق لمصير تلك المحاولات. فهي سلالٌ ستظل فارغة لأن تماسك المؤسسة العسكرية ينبع من عقيدةٍ عابرة للطوائف والأحزاب، ولأن التنسيق بين الرئاسة والقيادة يستند إلى “تكاملٍ سيادي” يرفض استباحة الساحة اللبنانية أو تحويل الجيش إلى مادةٍ للسجال الانتخابي أو الحزبي الضيق.
إن الحماية التي أمنها الرئيس عون ومعه رئيس مجلس النواب نبيه بري لقائد الجيش، قطعت الطريق على محاولات بعض الأطراف الداخلية، ومن خلفهم الموفدين الدوليين، لفرض معادلاتٍ ميدانية مستحيلة تحت وطأة العدوان الإسرائيلي. إن الرهان على إضعاف الجيش أو “شيطنة” قيادته في هذا التوقيت بالذات، يتقاطع بشكلٍ مشبوه مع أهداف القوى التي تريد تجريد لبنان من أوراق قوته ومن مؤسسته الوحيدة التي لا تزال تحظى بإجماعٍ
وطني ودولي. وبالتالي، فإن لقاءات اليرزة لم تكن لبحث الشؤون اللوجستية فحسب، بل كانت “ترميماً للثقة” وتحصيناً للجبهة الداخلية، وتأكيداً على أن قرارات الدولة تُطبخ في بيروت وفق المصلحة الوطنية، وليس في مطابخ “اللوبيات” المغرضة التي تحاول استثمار الحرب لتصفية حساباتٍ سياسية مع قيادةٍ أثبتت أنها عصية على الانكسار أو التبعية. في نهاية المطاف، تبقى رسالة اليرزة هي الأقوى: القائد باقٍ، والجيش هو الضمانة، وكل من يراهن على غير ذلك سيعود خائباً أمام صلابة “المثلث السيادي” الذي يجمع بين شرعية الدستور، وقوة السلاح الشرعي، وإرادة الصمود الوطني.



