
تتزايد المؤشرات السياسية والعسكرية في لبنان على دخول البلاد مرحلة شديدة الحساسية، عنوانها الصراع المفتوح بين منطق الدولة ومنطق السلاح خارجها، في ظل ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة وتحذيرات إسرائيلية متكررة من تداعيات استمرار الوضع القائم.
وفي هذا السياق، كشفت معلومات خاصة بموقع «جنوبيّة» أنّ الأروقة الحكومية والعسكرية تشهد تداولاً جدياً باحتمال استقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، نتيجة التباين المتزايد في وجهات النظر بينه وبين رئيس الحكومة نواف سلام حول كيفية تطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة.
اعتراض دولي على استمرار التأجيل
وبحسب المعلومات، فإنّ هيكل رفض منذ الأيام الأولى لتسلّم الحكومة مهامها وضع برنامج زمني واضح لتنفيذ قرار حصر السلاح، مبرراً موقفه بضرورة الحفاظ على السلم الأهلي وتجنّب أي مواجهة مباشرة مع «حزب الله». غير أنّ هذا الموقف بدأ يثير اعتراضاً متصاعداً داخل الحكومة، خصوصاً لدى رئيسها الذي يرى أنّ التأجيل المستمر يفقد الدولة صدقيتها داخلياً وخارجياً، ويترك لبنان مكشوفاً أمام الضغوط الدولية والتصعيد الإسرائيلي، خصوصا بعد ورود رسائل دولية سجلت اعتراضها على هذا التأجيل.
وقد انعكس هذا التباين في نقاشات حادة خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، حيث تحدّثت مصادر إعلامية لبنانية عن مناوشات سياسية بين رئيس الحكومة وقائد الجيش حول آليات تنفيذ القرارات الحكومية. ومع تكرار الحديث عن احتمال استقالة هيكل، بدأت دوائر سياسية وأمنية تطرح بالفعل أسماء بديلة يمكن أن تتولى قيادة المؤسسة العسكرية في حال حصلت الاستقالة.
عقدة المحكمة العسكرية
تزامن ذلك مع تطورات ميدانية تعكس حجم التوتر بين الدولة و«حزب الله». فقد ادّعت النيابة العامة العسكرية على ثلاثة أشخاص ينتمون إلى الحزب بعد توقيفهم في الجنوب وبحوزتهم أسلحة حربية خفيفة ومتوسطة. لكن المعلومات تشير إلى أنّ الحزب يمارس ضغوطاً مباشرة على رئيس المحكمة العسكرية للإفراج عنهم، محذّراً من المضي في الإجراءات القضائية.
وتكشف هذه الحادثة مستوى التحدي العلني المتصاعد للدولة، خصوصاً بعدما خرجت المحكمة العسكرية جزئياً من دائرة النفوذ التقليدي للحزب، مع تغيّر تركيبتها القيادية وعدم خضوعها بالكامل للتوازنات السياسية السابقة. وفي حال لم يتم الإفراج عن الموقوفين، لا تستبعد مصادر سياسية وأمنية أن يلجأ الحزب إلى التصعيد أو حتى محاولة فرض الإفراج بالقوة، ما يفتح الباب أمام احتكاك مباشر مع الجيش.
نتنياهو يهدد
هذه التطورات تتقاطع مع معطيات إقليمية مقلقة، فقد حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحكومة اللبنانية من أنّ عدم نزع سلاح «حزب الله» وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار «سيعرّض لبنان لعواقب قاسية». كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنّ هناك انقطاعاً شبه كامل بين القيادة الإيرانية في طهران و«حزب الله»، ما يعني أن الحزب يدير عملياته حالياً بقدر كبير من الاستقلالية.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن لبنان يقف أمام مفترق حاسم. فالمجتمع الدولي، وكذلك إسرائيل، يربطان بوضوح بين استمرار الاستقرار في لبنان وبين قدرة الدولة على فرض سيادتها الأمنية. وهذا ما يجعل مسألة قيادة الجيش ودوره في المرحلة المقبلة قضية مفصلية، إذ إن أي تغيير في القيادة قد يُفسَّر كخطوة نحو إعادة توجيه المؤسسة العسكرية لتكون أكثر استعداداً لتنفيذ القرارات الحكومية ومنع انزلاق البلاد نحو مواجهة عسكرية واسعة.
أعلن الجيش الإسرائيلي أنّ هناك انقطاعاً شبه كامل بين القيادة الإيرانية في طهران و«حزب الله»، ما يعني أن الحزب يدير عملياته حالياً بقدر كبير من الاستقلالية.
مفاوضات مع اسرائيل؟
وفي موازاة التصعيد العسكري الحالي، تحدثت مصادر سياسية عن توجه رسمي لتشكيل وفد مدني للتفاوض مع إسرائيل خارج الأراضي اللبنانية، على الأرجح في قبرص، في محاولة لاحتواء الانفجار الكبير قبل وقوعه.
وبين ضغوط الداخل وخطر الاجتياح الإسرائيلي من الخارج، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان لبنان سيتجه فعلاً نحو إعادة تثبيت سلطة الدولة، أم أنّ الصراع على السلاح سيقود البلاد إلى مرحلة أكثر خطورة.



