المرتزقة الأجانب في الحرب: حقيقة التجنيد الخفي

مع دخول الحرب بين روسيا وأوكرانيا عامها الرابع، تصاعدت تقارير دولية عن لجوء موسكو إلى تجنيد مقاتلين أجانب للقتال إلى جانب قواتها، في خطوة تعكس تجاوز الصراع أبعاده التقليدية ليصبح تجنيد غير الروس أحد مظاهره البارزة.
خسائر القوى البشرية في صفوف القوات الروسية أثرت على مخزون المقاتلين، ما دفع القيادة إلى البحث عن بدائل. تقارير من شبكة ABC الأسترالية تشير إلى أن روسيا تواجه ضغطًا على مواردها البشرية بعد سنوات من القتال الطويل، ما يفسر اللجوء إلى أفراد من الخارج بدل توسيع التعبئة المحلية بشكل واسع.
استقطاب مواطني الجنوب العالمي وآسيا الوسطى
تكثف شبكات التجنيد الروسية نشاطها في مناطق مختلفة من العالم، مستهدفة مواطني دول أفريقيا وآسيا الوسطى، وغالبًا باستخدام التضليل والوعود الكاذبة بعقود تبدو مغرية تشمل رواتب مرتفعة وفرص الحصول على الجنسية الروسية أو العمل في وحدات بعيدة عن القتال.
يوعد المرشحون المحتملون برواتب شهرية تتراوح بين 2000 و3000 دولار، إضافة إلى وعود بالحصول السريع على الجنسية الروسية أو العمل في وحدات خلفية بعيدة عن العمليات القتالية، إلا أن التحقيقات الصحفية وشهادات متعددة تشير إلى أن هذه الوعود نادرًا ما تتحقق. بعد توقيع العقود، يجد كثير من الأجانب أنفسهم في مناطق القتال النشطة، وغالبًا دون تدريب عسكري كافٍ أو تجهيز مناسب، وفي بعض الحالات يتم إرسالهم إلى ما يُعرف بـ«هجمات اللحم»، وهي عمليات اقتحام عالية الخطورة تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة.
أرقام التجنيد والخسائر البشرية
تشير البيانات الموثقة إلى أنه خلال عامي 2024 و2025 تم تجنيد نحو 18 ألف مواطن أجنبي من 128 دولة ومن مناطق غير معترف بها للقتال في صفوف القوات المسلحة الروسية، وقد قُتل حوالي 3800 منهم خلال العمليات القتالية.
يجد العديد من هؤلاء الأجانب أنفسهم في فراغ قانوني شبه كامل، إذ يوقعون عقودًا باللغة الروسية التي لا يفهمها الكثير منهم، ويعانون من صعوبة الوصول إلى المساعدة القنصلية، مع غياب ضمانات واضحة لإعادة الجثامين في حالات الوفاة.
البعد القانوني والدبلوماسي
القانون الدولي لا يحظر مشاركة مقاتلين أجانب إذا تمت الموافقة الطوعية والشفافية، إلا أن حالات عدة أظهرت وجود شبكات استغلال، ما يثير جدالات حول الحدود القانونية بين التطوع والارتزاق.
بعض المشاركين قد يُصنفون كمرتزقة، ما يحرمهم من الامتيازات التي يتمتع بها الجنود النظاميون، ويعرضهم لإشكاليات قانونية معقدة أو ملاحقات جنائية محتملة.
القضية أثارت ردود فعل دبلوماسية في بلدان المصدر، فقد لقي عشرات المواطنين الغانيين حتفهم، ما دفع حكومة غانا للمطالبة بتحقيق في شبكات التجنيد، كما بدأت دول مثل كينيا مراقبة أو اتخاذ إجراءات ضد وسطاء يُشتبه في تورطهم.
أساليب التجنيد والهياكل المنظمة
تعتمد عمليات تجنيد الأجانب على شبكة معقدة من الهياكل المرتبطة بمديرية الاستخبارات الرئيسية التابعة لهيئة الأركان العامة لوزارة الدفاع الروسية، إلى جانب شركات عسكرية خاصة مثل «ريدوت» و«كونفوي» و«الفيلق الأفريقي» (فاغنر سابقًا).
غالبًا ما يتم تقديم هذه الهياكل على أنها شركات أمنية أو مؤسسات تقدم خدمات الحراسة المدنية، مع عقود لحراسة منشآت البنية التحتية أو منصات النفط، بينما تُستخدم في الواقع ضمن العمليات القتالية مع إبقاء خسائر المجندين خارج الإحصاءات الرسمية.
دور وسائل التواصل الاجتماعي
تلعب منصات التواصل الاجتماعي دورًا رئيسيًا في استقطاب المجندين، إذ يتم الإعلان عن فرص عمل مدنية في البناء والخدمات اللوجستية برواتب تتراوح بين 1500 و3000 دولار شهريًا.
بعد وصولهم إلى روسيا، يواجه العديد ضغوطًا نفسية شديدة، وقد تتم مصادرة جوازات سفرهم، ثم يُطلب منهم توقيع عقود عسكرية تحت تهديد الترحيل.
التأثير التكتيكي والاستراتيجي
وجود المقاتلين الأجانب يوفر أعدادًا إضافية، لكن بمهارات متفاوتة، ما يحد من فعاليتهم في ساحات القتال المعقدة. استراتيجيًا، قد لا يغير التجنيد ميزان القوى، لكنه يساهم في إطالة أمد الحرب، ويخفف الضغط الداخلي على الشارع الروسي بشأن الخسائر البشرية، بينما يثير تساؤلات حول طبيعة الحرب وحدودها.
الخلاصة هي ان تجنيد الأجانب في الحرب الروسية الأوكرانية ليس مجرد إجراء عسكري، بل يعكس توازنات سياسية ودبلوماسية وقانونية متعددة، مع تداعيات مباشرة على المشاركين أنفسهم، ودول الجنوب العالمي، والعلاقات الدولية.
ويعتبر الخبراء أن الخيار الأكثر أمانًا للأجانب هو رفض المشاركة والإبلاغ عن محاولات الاستقطاب المشبوهة للسلطات المختصة أو الجهات الدولية المعنية.



