لماذا يتحول رئيس الحكومة في لبنان إلى واجهة الغضب السياسي؟

لطالما تجاوز دور ومكانة رئيس مجلس الوزراء في لبنان حدود الصلاحيات التي رسمها له الدستور اللبناني، ولا سيما في ظل الأزمات السياسية الكبرى التي شهدها البلد. فعلى الرغم من أن هذا الموقع يُعد مركزاً تنفيذياً أساسياً في رسم السياسات العامة، إلا أنه تحول في الوقت نفسه إلى موقع تتقدم فيه سائر الرئاسات الأخرى لتلقي الضغوط السياسية والأمنية. وبدا في كثير من الأحيان أن رؤساء الحكومات هم وحدهم من يتحملون وزر وتبعات الصراعات الداخلية والإقليمية. فمع كل أزمة داخلية أو خارجية مرّ بها لبنان، كان رئيس الحكومة يتصدر واجهة الانتقادات، ليبدو وكأنه المسؤول الأول والأخير عن النتائج التي حالت دون بروز لبنان دولة سيدة قادرة على اتخاذ قرارها.
يشكل موقع رئاسة مجلس الوزراء أحد أهم أعمدة النظام السياسي اللبناني، إلى جانب رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب، وتحكم العلاقة بين هذه الرئاسات أحكام الدستور. ويُعد رئيس الحكومة جزءاً لصيقاً من السلطة التنفيذية، إذ يوقّع على القوانين والمراسيم إلى جانب رئيس الجمهورية والوزراء المختصين حيث يلزم.
وتقوم العلاقة بين هذه المؤسسات على مبدأ الفصل بين السلطات وتعاونها في آنٍ واحد. فكما أن الدستور قد خصّ رئيس الجمهورية بصلاحيات محددة، فقد منح رئيس مجلس الوزراء صلاحيات أساسية من أبرزها التوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة، إضافة إلى المراسيم المتعلقة باستقالة الوزراء أو إقالتهم عند الاقتضاء، فضلاً عن دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد ووضع جدول أعمال جلساته، على أن يطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع المطروحة. كما أن لرئيس الحكومة علاقة مباشرة بمجلس النواب، إذ تتقدم الحكومة لنيل الثقة منه، وتبقى خاضعة لرقابته السياسية عبر أدوات المساءلة وإمكانية حجب الثقة عنها.
أما خارج الإطار الدستوري المتصل برسم السياسات العامة، فيبرز دور رئيس الحكومة بشكل أكبر عند الأزمات السياسية الداخلية أو عند اشتداد التوترات الإقليمية التي تنعكس على لبنان. ففي لحظات الصراع بين القوى السياسية والطوائف، غالباً ما تُلقى على عاتق رئيس الحكومة مسؤولية القرارات وكأنه صاحب الكلمة الفصل فيها. وفي كثير من الأحيان تنشط آلة إعلامية وسياسية في توجيه اللوم إليه وتحميله مسؤولية السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، متجاوزة حقيقة أن معظم الحكومات التي تشكلت بعد اتفاق الطائف ضمّت غالبية القوى السياسية في البلاد، والتي شاركت بدورها في صياغة تلك السياسات واتخاذ قراراتها.
أما في ما يتعلق بالأزمات الإقليمية الكبرى، فعندما يبادر رئيس الحكومة إلى التعبير عن موقف يراه منسجماً مع المصلحة الوطنية، يواجه في كثير من الأحيان سيلاً من الاتهامات والانتقادات التي قد تصل إلى حد التخوين من جهات مختلفة. ويعكس ذلك مفارقة واضحة، إذ يُتعامل معه سياساً وإعلامياً كما لو أنه يمتلك صلاحيات واسعة ضمن نظام رئاسي، في حين أن الواقع الدستوري اللبناني يقوم على ممارسة شبه عرفية، وبروح تفاهمية، تفرض عليه مراعاة التوازنات السياسية والطائفية، حتى في مسألة تشكيل الحكومة نفسها.
ويكفي استعراض تاريخ لبنان المعاصر ليتبين أن رؤساء الحكومات لم يكونوا بمنأى عن التهديدات السياسية والأمنية، إذ تعرّض بعضهم لتهديدات مباشرة وغير مباشرة وصلت أحياناً إلى حد محاولات الاغتيال، كما حصل مع سليم الحص، فيما نجحت تلك العمليات في حالات أخرى. فقد اغتيل الرئيس رياض الصلح في سياق سياسي إقليمي معقّد، إذ كان يلعب دوراً بارزاً في تقريب وجهات النظر بين الدول العربية، ما جعل اغتياله يتجاوز في دلالاته حدود الساحة اللبنانية. كما اغتيل الرئيس رشيد كرامي، قبل أن يشهد لبنان أحد أبرز الاغتيالات السياسية في تاريخه الحديث مع اغتيال رفيق الحريري، في مرحلة سياسية حساسة اتسمت بتصاعد الانقسام الداخلي حول موقع لبنان في الصراعات الإقليمية وخياراته السياسية.
ولا يزال هذا الواقع يتكرر بأشكال مختلفة في المرحلة الراهنة مع رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يتولى مهامه في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة. فمع سعيه إلى التعامل مع تداعيات الأزمات المتراكمة وتنفيذ ما يراه منسجماً مع واجباته وصلاحياته الدستورية، يواجه انتقادات وضغوطاً سياسية وإعلامية متزايدة تصل الى حدود التهديد بالقتل، في وقت يتولى فيه مسؤولياته ضمن واقع سياسي وعسكري مأزوم نتج عن أزمات سابقة لتشكيل حكومته، كحرب الاسناد وتداعياتها الكارثية على الداخل اللبناني.
إن التجربة السياسية في لبنان تُظهر أن موقع رئاسة مجلس الوزراء ظلّ، عبر العقود، في قلب الأزمات التي عصفت بالبلاد. فبين نصوص الدستور التي تحدد صلاحياته، والواقع السياسي الذي يفرض عليه مواجهة الضغوط والصراعات، وجد رؤساء الحكومات أنفسهم في موقع يتحمل تبعات الانقسامات الداخلية والتجاذبات الإقليمية. وبينما يستمر الجدل حول المسؤوليات والصلاحيات، يبقى الثابت أن استقرار الحياة السياسية في لبنان لا يمكن أن يتحقق بالهروب من المسؤوليات وتحميلها لجهة واحد تتمثل برئيس الحكومة منفرداً.



