هل رفعت واشنطن البطاقة الحمراء على هيكل؟

لم تعد العلاقة بين اليرزة وواشنطن تدار بلغة الدعم التقني واللوجستي المعتادة، بل انتقلت فجأة إلى منطقة “الاشتباك السياسي” البارد. فنحن اليوم أمام لحظة مفصلية تبتعد فيها واشنطن عن سياسة الثوابت الداخلية وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. فقائد الجيش، العماد رودولف هيكل، يحاول السير على حبل مشدود وسط عاصفة دولية، وبينما يرى في “الواقعية اللبنانية” طوق نجاة للمؤسسة العسكرية من أتون الفتنة، ترى فيه الدوائر الغربية، وتحديداً “الخماسية”، عائقاً أمام تنفيذ أجندة أمنية جذرية لا تقبل القسمة على اثنين. لقد انتهى زمن المهادنة، وبات السؤال المطروح في كواليس القرار الدولي: هل فشلت القيادة العسكرية في فك الارتباط بين الدولة والبيئة الحاضنة لحزب الله؟
خلال زيارته الأخيرة إلى العاصمة الأميركية، حمل العماد هيكل ملفاً مثقلاً بالتعقيدات. وبالتنسيق مع السلطة السياسية، حاول تسويق خطاب “التوازن الحذر”، مؤكداً أن بيئة حزب الله هي جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي اللبناني، وأن الصدام معها هو وصفة جاهزة للحرب الأهلية. كانت الرسالة واضحة: الجيش لن يكون أداة لضرب الاستقرار الداخلي تحت مسمى مكافحة النفوذ الإقليمي.
لكن الصدمة كانت في الرد الأميركي. فالإدارة الحالية لم تعد تكتفي ببيانات الحفاظ على السلم الأهلي. واشنطن تطالب بموقف جذري وهو إعلان صريح بأن حزب الله ينفذ أجندة غريبة، واتباع ذلك بخطة عسكرية “للقضاء” على قدرات الحزب. بالنسبة للأميركيين، أي خطاب لا يتبنى هذا المسار هو “تغطية سياسية” لسلاح الحزب، وليس توازناً وطنياً.
في موازاة الضغط السياسي، ثمة ثقب أسود في الثقة العسكرية. التقارير الميدانية التي كانت ترفعها القيادة حول “تطهير” جنوب الليطاني، كانت تصطدم فوراً بتقارير مضادة من الاستخبارات الإسرائيلية تصل إلى واشنطن. هذه التقارير كانت توثق وجود مخازن ومنصات صواريخ في مناطق أعلن الجيش خلوها.
الأخطر من ذلك، هو ما كشفته مصادر عن قيام “القيادة المشتركة” بإبلاغ الجيش اللبناني بإحداثيات محددة لمواقع حزب الله قبل ساعات من توجه دوريات الجيش إليها، لتكتشف الأخيرة أن الواقع الميداني يختلف عن الوعود الورقية. هذا التناقض أحرج القيادة العسكرية اللبنانية وجعلها في موقف الدفاع الدائم أمام “الخماسية”.
لقد أطاحت التطورات الأخيرة على الحدود بكل محاولات التجميل الدبلوماسي. فبينما كان الجيش يشيع بأنه أنجز خطته جنوب الليطاني وينوي الانتقال شمالاً، جاءت الرشقات الصاروخية من “جنوب النهر” لتثبت أن الحزب لا يزال يمسك بزمام المبادرة الميدانية. هذا الفشل في “تحجيم” الوجود العسكري للحزب وضع القيادة العسكرية في مواجهة مباشرة مع “صقور” الكونغرس الجمهوريين، الذين بدأوا يطالبون علناً بوقف المساعدات وتغيير القيادة كشرط لأي تسوية مستقبلية.
على الضفة الأخرى، تدافع مصادر وزارية عن موقف الجيش بشراسة، معتبرة أن المطالب الدولية هي دفع نحو “صدام انتحاري”. وترى هذه المصادر أن المؤسسة العسكرية لا يمكنها الدخول في مواجهة مباشرة مع الحزب، لأن ذلك سيحقق الغاية الإسرائيلية بتدمير لبنان من الداخل. إن الرسالة التي أصرت القيادة السياسية على إيصالها هي أن “المواجهة الشاملة” قد تكون السبيل الوحيد لإنهاء الصراع من وجهة نظر الغرب، لكنها من وجهة نظر بيروت هي السبيل الوحيد لإنهاء “الدولة”.
إنَّ مأزق القيادة العسكرية اليوم يتجاوز حدود التكتيك الميداني ليلامس جوهر الدور الوجودي للمؤسسة. فالعماد رودولف هيكل يجد نفسه في مواجهة حقيقة قاسية: أنَّ الرصيد الدبلوماسي الذي راكمته اليرزة لسنوات لم يعد كافياً لترميم جدار الثقة مع واشنطن. وبينما تصر السلطة السياسية على أنَّ الانكفاء عن الصدام هو حكمة الضرورة لحماية الهيكل اللبناني من التفتت، يرى المطبخ الدولي في هذا التريث نوعاً من الاستقالة الاستراتيجية التي تمنح حزب الله فائضاً من الوقت والمساحة. وعليه، فإنَّ مساحة المناورة اللبنانية قد تآكلت، مما يضع مستقبل القيادة العسكرية على طاولة المقايضات الكبرى، حيث لم يعد المطلوب من الجيش أن يكون حكماً بين المكونات، بل طرفاً حاسماً في رسم خارطة القوة الجديدة، أو دفع ضريبة التمسك بتوازنات أصبحت في عرف الخماسية جزءاً من الماضي.



