الخلاف الصامت بين بري وحزب الله!

تتجه الأنظار في المرحلة الراهنة إلى ما يتجاوز التطورات الميدانية، نحو قراءة أدق للتوازنات داخل البيئة السياسية الشيعية، حيث يبرز تمايز ملحوظ، وإن بقي مضبوطاً، بين مقاربة حزب الله وخيارات رئيس مجلس النواب نبيه بري في إدارة لحظة التصعيد مع إسرائيل.
تشير المؤشرات المتوافرة الى انّ الحزب يميل إلى مقاربة ميدانية نشطة تقوم على توسيع هامش الضغط العسكري المدروس، انطلاقاً من قناعة بأن المبادرة المحدودة تساهم في تثبيت الردع ومنع العدو من فرض وقائع جديدة. في المقابل، يُقرأ موقف بري ضمن إطار أكثر حذراً وبراغماتية، يضع في أولوياته تقليل الانكشاف اللبناني ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا يملك لبنان مقوّمات تحملها.
لا يعني هذا التمايز وجود شرخ سياسي مباشر بين الطرفين، فالعلاقة الاستراتيجية بينهما ما زالت قائمة، لكنّه يعكس اختلافاً في تقدير المخاطر وفي إدارة التوقيت. فبري، بحكم موقعه المؤسساتي وخبرته الطويلة في تدوير الزوايا، يميل تقليدياً إلى تبريد الجبهات وفتح قنوات سياسية موازية، بينما يتحرّك الحزب ضمن حسابات ردعية مرتبطة أيضاً بسياق إقليمي أوسع.
يكمن الاهتمام المحلي والخارجي بهذا المشهد في كونه يكسر، لو جزئياً، صورة التماسك الصلب داخل الثنائية الشيعية. يوحي التباين في المقاربة، حتى لو بقي تحت سقف التنسيق، بأن كلفة الحرب المحتملة بدأت تُقرأ بجدية أكبر داخل البيئة الحاضنة نفسها، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي الحادّ الذي يقيّد قدرة لبنان على امتصاص الصدمات.
في الميدان السياسي الداخلي، يضع هذا الواقع الدولة أمام معادلة أكثر تعقيداً. فكلما اتسع هامش المبادرة العسكرية خارج المؤسسات، ازداد الضغط على القوى السياسية التقليدية، وفي مقدمها بري، لمحاولة لعب دور صمّام الأمان ومنع الانفلات. لكن قدرة هذا الدور تبقى مرتبطة بمدى استعداد الأطراف للإنصات لمنطق التهدئة.
إقليمياً، يتغذى اندفاع الحزب من شبكة دعم أوسع، مما يمنحه هامش حركة لا يتوافر لباقي اللاعبين المحليين. إلا أن هذا التفوّق النسبي يقابله عبء داخلي متنامٍ: أي تصعيد غير محسوب سيرتد مباشرة على بيئة لبنانية منهكة أصلاً، وهو ما يفسر الحذر الذي يطبع مقاربة بري.
الولضح أن ثمة تمايزاً محسوبًا بلا انقسام معلن بين بري وحزب الله. غير أن دلالاته السياسية عميقة، لأنها تعكس بداية نقاش ضمني حول كلفة المواجهة وحدودها. وإذا استمر التصعيد، فقد يتحول هذا التمايز الصامت إلى عامل ضغط داخلي متزايد يرسم سقوف المرحلة المقبلة في لبنان.



