حزب الله ورقة إيران الأخيرة على مذبح التسويات

بينما يشتعل الميدان اللبناني من أقصى الجنوب إلى الضاحية والبقاع، وتتصاعد أعمدة الدخان لتغطي سماء الوطن، يجد اللبنانيون أنفسهم اليوم ضحايا “مقامرة كبرى” تُدار بدم بارد من خارج الحدود. لم تعد الحرب الدائرة مجرد جبهة “إسناد” كما يروج إعلام الحزب، بل أصبحت انكشافاً كاملاً لقرار إيراني يقضي بتوريط لبنان في قلب الصراع المباشر بين طهران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.
الحرس الثوري: القائد الفعلي لجبهة لبنان
تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن “الحرس الثوري الإيراني” هو من هندس وافتعل المواجهة الأخيرة، بعدما أحكم قبضته بالكامل على مفاصل القرار داخل حزب الله. لم يعد الحزب “شريكاً” في المحور، بل تحول إلى أداة تنفيذية تحت الإمرة المباشرة لجنرالات فيلق القدس؛ حيث انتقل قرار الحرب والسلم من “حارة حريك” إلى غرف العمليات في طهران.
لقد جاءت الأوامر بفتح الجبهة على مصراعيها، لتكون أجساد اللبنانيين وركام بيوتهم مجرد “صدادات نيران” تحمي الداخل الإيراني من دفع ثمن مواجهاته الإقليمية، مما جعل من الحزب مجرد “أداة وظيفية” في خدمة الأمن القومي الفارسي، متجاهلاً الضغوط الداخلية الهائلة والكارثة الإنسانية التي حلت بالبلاد.
زجّ “الجوهرة” في محرقة النهايات
تستخدم إيران اليوم حزب الله كـ “آخر أوراقها” في معركة الوجود. إن زج الحزب في هذه الحرب الانتحارية، رغم التفاوت الهائل في موازين القوى والتدمير الممنهج لبيئته، يوحي بأن طهران استنفدت خياراتها وقررت استهلاك هذه الورقة إلى أقصى حد ممكن قبل الدخول في “الترتيبات الكبرى”.
السيناريو الذي يُطبخ في الغرف المغلقة يشير إلى أن الحرس الثوري يستهلك القدرات العسكرية للحزب اليوم، ليكون “نهاية مهامه” هو الثمن الذي ستدفعه طهران على طاولة المفاوضات الدولية التي ستنهي الحرب. فإيران، المستعدة دائماً للتفاوض فوق دماء وكلائها، قد تضحي بـ “الجوهرة” مقابل ضمان بقاء نظامها، ليتحول الحزب من قوة إقليمية إلى ضحية لـ “تقاعد وظيفي” قسري تفرضه مصالح طهران مع واشنطن.
الدولة في مواجهة “المصادرة الإيرانية”
أمام هذا الانكشاف الخطير، تبرز صرخة الدولة اللبنانية بتمثيلها الرسمي؛ حيث يحاول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة ترسيخ سيادة المؤسسات.
إن قرار حصر السلاح بيد الشرعية وحظر النشاط العسكري غير المرخص هو الرد الطبيعي على مصادرة الحرس الثوري للسيادة الوطنية.
لقد أثبتت الوقائع أن مصلحة “أشرف الناس” واللبنانيين جميعاً لا تكمن في أن يكونوا “صندوق بريد” يحترق من أجل الولي الفقيه، بل في العودة إلى كنف الدولة والالتزام بالقرارات الدولية. فاللبنانيون، ومن ضمنهم النازحون الذين يفترشون الطرقات، باتوا يدركون أن كرامتهم تُهدر اليوم في سبيل صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
هل يقبل لبنان دور “الضحية”؟
إن الترتيبات التي ستلي هذه الحرب لن تشبه ما قبلها. فإيران التي زجت بلبنان في أتون النار، تبحث اليوم عن مقعد لها في النظام الإقليمي الجديد فوق أنقاض ضاحيتنا ومدننا.
والسؤال الذي يطرحه الشارع اللبناني بسخط: إلى متى سيظل لبنان ورقة مقايضة في جيب الحرس الثوري؟ وكيف سيواجه حزب الله حقيقة إنهاء دوره العسكري بعد أن استهلكه في معركة خاسرة لتأمين نجاة النظام في طهران؟



