الفرقة 91 الإسرائيلية داخل جنوب لبنان

مع إعلان الجيش الإسرائيلي صباح الثلثاء أن قوات الفرقة 91 تعمل داخل الأراضي اللبنانية وتتمركز في “نقاط استراتيجية”، بدا أن الجبهة الجنوبية انتقلت من مرحلة الرسائل النارية إلى مرحلة تثبيت الوقائع. التوصيف الإسرائيلي يتحدث عن “دفاع متقدّم” لحماية بلدات الشمال، فيما يؤكد وزير الأمن يسرائيل كاتس أن الجيش صادق على التقدّم والسيطرة على مناطق إضافية “لمنع إطلاق النار”، توازيا مع غارات واسعة على بنى تحتية تابعة لـ”حزب الله”.
في المقابل، يرى لبنان أن ما يجري هو توسيع عملي لرقعة الاحتلال وفرض أمر واقع جديد يتجاوز تفاهمات وقف النار المعلن في تشرين الثاني 2024.
التطور الميداني لم يأتِ من فراغ. تبنّي الحزب إطلاق صواريخ من الجنوب وما تلاه من ليلة دامية على الضاحية والبقاع والقرى الحدودية، أعاد خلط الأوراق وفتح الباب أمام تلويح إسرائيلي علني بخيارات أوسع، بينها الاجتياح البري. عبارة “كل الخيارات على الطاولة” التي نقلتها “رويترز” ليست مجرد تعبير ديبلوماسي، إنها جزء من إدارة تصعيد محسوب يضع الخصم أمام مروحة كاملة من الاحتمالات، من التوغّل المحدود إلى العمليات الأعمق.
في خلفية المشهد، تتقدّم فكرة “المنطقة العازلة” بوصفها الهدف الأكثر وضوحاً. إسرائيل لا تخفي سعيها إلى إحداث حزام أمني متصل من البحر إلى القطاع الشرقي، وقد عززت ذلك بإنذارات إخلاء لقرى الحافة الأمامية وخرائط تظهر شريطا حدوديا شبه خالٍ. عملياً، جرى تحويل عدد من البلدات إلى مناطق غير قابلة للحياة بعد تفخيخ وتدمير واسعين، فيما تشير الوقائع إلى تمسّك إسرائيلي بنقاط استراتيجية تتجاوز الخمسة مواقع، وصولاً إلى الجانب اللبناني من جبل الشيخ حيث شُقّت طرق تربط نقاط الرصد بين الجبهتين اللبنانية والسورية.
السيناريوات المطروحة للاجتياح بحسب مراز دراسات غربية تتدرّج من الأدنى كلفة إلى الأعلى مخاطرة. أولها عمليات خاصة عابرة للحدود تستهدف أهدافاً نوعية لا تكفي الغارات الجوية لتدميرها، كمنشآت محصّنة أو أنفاق قيادة. هذا النموذج يراهن على عنصر المفاجأة وتبديل ميداني في لحظات سانحة، لكنه محفوف بمخاطر الخسائر إذا طال أمد الاشتباك خلف الخطوط.
السيناريو الثاني يقوم على احتلال شريط بعرض يصل إلى عشرة كيلومترات، على غرار تجربة 1985، لوقف إطلاق الصواريخ القريبة وفرض واقع أمني في انتظار ترتيبات لاحقة. هو خيار يحقق هدفاً تكتيّاً واضحاً، لكنه يضع إسرائيل أمام معضلة البقاء والانسحاب: فاحتلال من دون أفق سياسي يتحول استنزافاً، وانسحاب من دون ترتيبات يعيد إلى النقطة الصفر.
السيناريو الثالث الأكثر تداولاً في النقاشات العسكرية، يتمثل في التقدّم حتى نهر الليطاني بذريعة فرض تطبيق القرار 1701 بالقوة. هذا المسار يعني دخول أرتال مدرعة إلى عمق ثلاثين كيلومترا لتدمير بنى تحتية وإضعاف قدرات الحزب في بيئة جغرافية مؤاتية له تاريخياً. غير أن هذا الخيار يفتح مواجهة مباشرة مع قوة قتالية كبيرة العدد والخبرة، ويحوّل المعركة إلى أسابيع من الاشتباك الكثيف.
أما السيناريو الرابع، أي الاندفاع نحو بيروت، فيبقى الأبعد احتمالا. التجربة التاريخية تُظهر أن الوصول إلى العاصمة يفرض حصارا مكلفا سياسياً وعسكريا، ويستلزم قراراً بحرب مفتوحة لا تبدو ظروفها الدولية والإقليمية ناضجة. لذلك يُنظر إليه كخيار أقصى لا يُلجأ إليه إلا إذا فشلت كل المقاربات الأخرى في تحقيق الأهداف المعلنة.
اللافت أن كل سيناريو، مهما بدا محدوداً، يحمل في داخله قابلية التوسّع. توغّل خاص قد يتحول إلى معركة مفتوحة إذا تعثّر الانسحاب، وشريط عازل قد يستدرج ضربات أعمق على العمق الإسرائيلي.
الفرقة 91 داخل الجنوب ليست تفصيلاً تكتيكياً، بل إشارة إلى أن مرحلة “الدفاع من وراء الحدود” قد انتهت، وأن اختبار الإرادات دخل طوراً جديداً. السؤال لم يعد هل الاجتياح احتمال نظري؟ بل أيّ شكل سيتخذه؟ وهل الردع المتبادل سيصمد أمام ضغط الوقائع الميدانية في ظل حرب مفتوحة في الإقليم؟
تبدو الحدود الجنوبية أقرب إلى خط تماس دائم بين خيار المنطقة العازلة وخطر الحرب الواسعة.



