كيف حُسم تأجيل الانتخابات ?

في ظلّ التحوّلات التي فرضتها المواجهة الإيرانية – الأميركية على المشهد اللبناني، حُسم الجدل وتكرّس خيار تأجيل الانتخابات النيابية عبر اتفاق سياسي عريض بين رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس النيابي والحكومة، تُرجم بإطلاق مسار دستوري للتمديد للمجلس النيابي، يقوده عبر مروحة اتصالات واسعة مع الكتل النيابية نائب رئيس المجلس الياس بو صعب، ويعمل بالتوازي معه النائب نعمة افرام لبلورة، على نحوٍ سريع، اقتراح قانون مؤمّن التواقيع الخمسة والستين، لكن كيف سارت الأمور؟
قبل أن يجد لبنان نفسه في قلب المواجهة المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة، كان المناخ السياسي يضجّ بهمس متصاعد حول استحقاق بدا للكثيرين عبئاً أكثر منه محطة ديموقراطية: الانتخابات النيابية… لكن مضمون هذا الهمس لم يكن في اتجاه حلحلة العقد التي تحول دون تأجيله، إنما حول المخرج لتأمين هذا التأجيل. وفي الأروقة الضيّقة، الانقسام كان بين من حاول إخفاء هذه الغاية في نفسه ومن فضّل العمل على التأجيل بصمت، بانتظار تبدّل في الموازين الإقليمية.
أما اليوم، ومع دخول البلاد في أتون توتر إقليمي مفتوح، تحوّلت الرغبة الداخلية الخفية والرغبة الخارجية العلنية بالتأجيل الى واقع لا يقتصر على غالبية الأفرقاء، إنما يمتدّ ليصل الى أركان السلطة من رئيس الجمهورية الى رئيس الحكومة فرئيس المجلس النيابي.
في هذا الإطار كشفت مصادر مطّلعة أن الرئيس سلام كان أول من بادر لفتح هذا الموضوع أكان مع الرئيس عون او مع الرئيس بري… فهو فاتح الرجلين بمقاربته التي تقضي بتأجيل هذا الاستحقاق. المصادر تقول إنّ الرئيس عون أبدى نوعاً من الموافقة على هذا الخيار بعد دخول لبنان في الحرب، بعدما كان هو أول الرافضين له لأنه يُشكّل ضربة لعهده في بداياته. وانطلاقاً من موقف عون هذا، بادر سلام الى مفاتحة بري بالموضوع خلال لقائهما صباح الثلاثاء.
وفق ما تشير المصادر، برّي لم يمانع بشكل جذريّ إنما توقف عند نقطتين، أولى مرتبطة باتفاقه مع رئيس الجمهورية على التمسّك بإجراء الانتخابات في موعدها، وأخرى مرتبطة بتخوّفه من “مزايدات” بعض الكتل النيابية في هذا الاتجاه. هنا تقول المصادر إن بري تلقى بعد مغادرة سلام اتصالاً من عون يقول له فيه إن ظروف ما قبل الحرب ليست كما بعدها… “الأمور تبدّلت”.
في ضوء هذه المعطيات، تكثّفت المشاورات بين عون وبري وسلام، في محاولة لتقويم الخيارات الدستورية المتاحة، وإنّه ما إن تتبلور الرؤية الواضحة في هذا الاتجاه سيدعو بري الى جلسة نيابية، يشرّع من خلالها باب التمديد الواسع، وبحسب المصادر فإنّ هذا الأمر لن يطول أبداً، لا بل هناك دفع دوليّ وعربي في اتجاه أن يكون خلال أيام قليلة.
المصادر عينها تبدي ارتياحاً لتأمين النواب الخمسة والستين المطلوبين، “لأن هناك تجاوباً كبيراً حتى من بعض الكتل التي كانت تقول صراحة أنها ضد التمديد للمجلس الينابي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر كتلة الكتائب”، الا أنّ العين تبقى على موقف “التيّار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”.
على ضفّة القوات، تقول المصادر إنّ أحداً لم يفاتحنا بموضوع التمديد ونحن لسنا على اطلاع على ما حُكي من اتفاق بين الرؤساء الثلاثة، لكننا، إن صحّت هذه المعطيات، نسأل:”لماذا التمديد لسنتين؟ وإن كانت ظروف الحرب تفرض تأجيلاً معيّناً لأسباب أمنية أو لوجستية أو تقنية أو مالية، فعلى مدّة التمديد الا تتجاوز الشهر أو الشهرين”.
خطوة التمديد إذن شبه حاصلة حاصلة، والسؤال يكون: هل يُقدَّم التمديد كإجراء اضطراري فرضته ظروف الحرب، أم يُقرأ كتكريس لرغبة سابقة كانت تبحث عن لحظة ملائمة خصوصاً وسط معلومات عن ضغط أحد الموفدين العربيين “النافذين” على الساحة اللبنانية، في هذا الاتجاه بالتوازي مع ضغط “الخماسية” والرغبة الداخلية؟
غريس مخايل – المدن


