“الحزب” يتحدى الدولة.. ويؤكد ولاءه المطلق لإيران

Lebtalks
سقط علي خامنئي، فسقط معه أحد أعمدة التوازن الإقليمي. الرجل الذي احتكر الكلمة الفصل في إيران لأكثر من ثلاثة عقود لم يكن مجرد مرشد أعلى، بل المرجعية التي تُحسم عندها الخيارات الكبرى، من إدارة الداخل إلى رسم خرائط النفوذ في الخارج. غيابه لا يطوي صفحة شخصية سياسية فحسب، بل يفتح مرحلة انتقالية دقيقة قد تعيد صياغة موقع إيران ودورها في المنطقة.
أما في لبنان، فلم يعد الصمت سيّد الموقف. فحزب الله، الذي التزم الترقّب في الأيام الأولى، انتقل إلى مرحلة مختلفة مع انخراطه في ما يُسمّى “حرب إسناد” لطهران، في خطوة تعيد خلط الأوراق الداخلية وتضع البلاد أمام معادلة شديدة الخطورة.
في هذا الإطار، رصدت أوساط متابعة التحوّل في سلوك الحزب من التريّث إلى الفعل العسكري، معتبرة أن هذا القرار لم يكن تفصيلاً ميدانياً، بل خياراً سياسياً عالي المخاطر. فبعدما سُجّل تباين بين الخطاب السابق والوقائع اللاحقة عقب اغتيال المرشد الإيراني، جاء الانخراط العسكري ليؤكد أن الحسابات الإقليمية عادت لتتقدّم على اعتبارات الداخل اللبناني.
وتشير هذه الأوساط إلى أن الضربات الاستباقية التي طاولت منطقة البقاع قبل أيام من الهجوم على إيران، ولا سيما تلك التي استهدفت مواقع قيل إنها تضم مخازن صواريخ وأودت بمسؤولين عسكريين، لم تُقرأ كرسائل ردع فحسب، بل كتحذير واضح من كلفة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ومع ذلك، مضت الأمور في اتجاه التصعيد، بما يطرح علامات استفهام جدّية حول حدود القرار اللبناني وقدرته على ضبط الإيقاع.
في المقابل، تعكس المقاربة الرسمية اللبنانية توجّهًا مختلفًا يقوم على احتواء التداعيات وتفادي توسّع المواجهة. فقد أظهرت نتائج المجلس الأعلى للدفاع سقفًا سياسيًا منسّقًا مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، قوامه تحييد لبنان عن أتون الحرب. وبرزت قناعة مفادها أن أي انخراط عسكري لن يبدّل موازين القوى الإقليمية بقدر ما سيحمّل الداخل اللبناني أثمانًا باهظة.
لم يكن اجتماع المجلس الأعلى للدفاع اجتماعاً عابراً في سياق حدث أمني متسارع، بل حمل في توقيته ومضمونه أبعاداً سياسية واضحة. فقد رأت أوساط سياسية أن الاجتماع، والذي انعقد بمبادرة من رئيس الجمهورية جوزاف عون، شكّل رسالة حازمة إلى حزب الله مفادها أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة اللبنانية، وأن أي انخراط عسكري خارج هذا الإطار يُعدّ تجاوزاً صريحاً للمرجعية الدستورية ولمفهوم السيادة.
وبحسب هذه الأوساط، فإن انعقاد المجلس في هذا التوقيت لم يكن إجراءً بروتوكولياً، بل محاولة واضحة لإعادة تثبيت قواعد اللعبة الداخلية ومنع توريط لبنان في معركة لا قرار وطنياً جامعاً بشأنها. كما عكس الاجتماع توافقاً بين الرئاسات والمؤسسات المعنية على أولوية حماية الاستقرار الداخلي، ولو في الحدّ الأدنى الممكن.
وتضيف المصادر أن الرسالة لم تكن موجّهة إلى الداخل فحسب، بل إلى الخارج أيضاً، لتأكيد أن الدولة اللبنانية لا تزال تعلن تمسّكها بحقها الحصري في إدارة قرار السلم والحرب. غير أن الوقائع الميدانية تُظهر فجوة مقلقة بين الموقف الرسمي وقدرته الفعلية على فرضه، ما يعيد طرح السؤال حول ازدواجية القرار في لحظة مصيرية.
وعليه، لم يقتصر الموقف الرسمي على البيانات، بل شمل تشديدًا على ضبط الخطاب الإعلامي والسياسي تفاديًا لمزيد من التصعيد، إلى جانب إجراءات احترازية للأجهزة العسكرية والأمنية، خصوصًا في الجنوب، لمحاولة الحدّ من توسّع دائرة الاشتباك. إلا أن هذه الإجراءات تبقى رهينة قرار سياسي أكبر يتجاوز الحدود اللبنانية.
في السياق نفسه، برزت تداعيات غير مباشرة للحرب، من بينها الاتجاه إلى تأجيل مؤتمر باريس لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، نتيجة تعقيدات لوجستية وأولويات دولية مستجدة فرضتها تطورات المواجهة. وهو مؤشر إضافي إلى أن أي انخراط لبناني في الصراع الإقليمي ينعكس فوراً على شبكة الدعم الدولي.
سياسيًا، لفت موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي حاول الموازنة بين التضامن السياسي التقليدي مع طهران والحرص على عدم انهيار الداخل اللبناني. إلا أن منسوب التصعيد يضع هذا التوازن أمام اختبار قاسٍ، إذ يصعب الجمع بين خطاب إسناد ومحاولة تحييد في آن واحد.
إن ما يجري اليوم يتجاوز عنوان “حرب إسناد” بالمعنى الإعلامي. فلبنان، بواقعه الاقتصادي المنهك ومؤسساته الضعيفة، ليس ساحة قادرة على تحمّل ارتدادات مواجهة إقليمية مفتوحة. وأي رهان على ضبط الاشتباك ضمن حدود محسوبة يبقى رهناً بقرار إقليمي أكبر قد لا يراعي هشاشة الداخل اللبناني.
التحالفات لا تُفكّ بقرار سريع، لكن الدول أيضاً لا تُدار بمنطق المحاور وحده. وبين الالتزام العقائدي والاعتبارات الوطنية، تقف البلاد على حافة معادلة دقيقة: إما أولوية الدولة ومؤسساتها، أو استمرار منطق الساحات المفتوحة مهما بلغت الكلفة.
فالمرحلة لا تبدو مجرّد ارتدادات عابرة لحدث كبير، بل إعادة رسم لقواعد الاشتباك في الإقليم. سقوط خامنئي فتح باباً على احتمالات واسعة، لكن انخراط لبنان في حرب إسناد يجعل هذا الباب أكثر خطورة مما كان متوقَّعاً.
الرسائل كانت واضحة، والحدود مرسومة بالنار، والكلفة معروفة سلفاً. ومع ذلك، وجد لبنان نفسه في قلب المواجهة. السؤال لم يعد إن كان يمكن تحييده، بل كم سيدفع ثمناً لهذا التموضع.
فالمنطقة تدخل مرحلة ما بعد خامنئي بلا خرائط نهائية، ولبنان يقف في قلبها، بين ضغط التحالفات وضرورات النجاة. وفي لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون المشكلة في سقوط رجل، بل في القرارات التي تُتخذ باسمه أو تحت وطأة الفراغ الذي يخلّفه.
ومرة أخرى يثبت الحزب انه يفقد لبنانيته يوماً بعد يوم ويؤكد الولاء المطلق لإيران.
المرحلة بدأت، والاختبار الحقيقي لم يعد مؤجلاً.



