أبرز الأخباربأقلامهم

غابي ايوب / من ملأ فراغ سعد الحريري؟ وماذا فعل التغييريون؟ وماذا فعل الجميع؟

غابي ايوب /خاص المرصد اونلاين

منذ إعلان سعد الحريري تعليق عمله السياسي وانسحابه من المشهد، دخلت الساحة السنية – ومعها الحياة السياسية اللبنانية – مرحلة فراغ غير مسبوقة. لم يكن الحريري مجرد زعيم حزب أو رئيس حكومة سابق، بل كان مظلة سياسية ومرجعية تمثيلية لقطاع واسع من اللبنانيين. ومع غيابه، انكشفت هشاشة التوازنات التي كانت قائمة، وبدأ سباق غير معلن لملء هذا الفراغ.

حتى اللحظة، لم ينجح أي طرف في وراثة موقع الحريري. حاولت شخصيات سياسية تقليدية التقدم، مستندة إلى حضور مناطقي أو علاقات إقليمية، لكنها فشلت في التحول إلى مرجعية جامعة. في المقابل، بقي الشارع السني متردداً، أقرب إلى المقاطعة منه إلى إعادة الاصطفاف، ما انعكس في نسب المشاركة المتدنية وفي غياب خطاب سياسي موحّد.

هذا الفراغ لم يُملأ ببديل واضح، بل بتشتت: نواب مستقلون، شخصيات محلية، وقيادات دينية تحاول ضبط الإيقاع، من دون قدرة فعلية على صناعة قرار سياسي جامع.

دخل نواب التغيير إلى البرلمان على موجة غضب شعبي، وكان يُفترض أن يشكلوا بديلاً سياسياً عابراً للطوائف، مستفيدين من انهيار الثقة بالمنظومة التقليدية. لكن ما حصل كان دون التوقعات.

انقسم التغييريون سريعاً على أنفسهم: اختلاف في الأولويات، تضارب في الخطاب، وعجز عن بناء كتلة متماسكة. فبدلاً من أن يكونوا قوة ضغط منظمة، تحولوا إلى أصوات متفرقة، أحياناً متناقضة، ما أفقدهم جزءاً كبيراً من زخمهم الشعبي. في لحظات مفصلية، بدا أنهم عاجزون عن تحويل الشعارات إلى سياسات، أو الاعتراض إلى مشروع بديل.

أما القوى التقليدية، فقد تعاملت مع الفراغ بمنطق الانتظار. لم تسعَ إلى حلول جذرية، بل إلى إدارة الأزمة وتدوير الزوايا. كل طرف حاول تحسين موقعه داخل النظام نفسه، لا تغييره. فتم تعطيل الاستحقاقات، وتمديد الأزمات، واستخدام الفراغ كورقة تفاوض لا كخطر وطني.

النتيجة كانت شللاً سياسياً مزمناً: لا قيادة بديلة، لا مشروع إصلاحي، ولا قدرة على اتخاذ قرارات مصيرية في بلد ينهار اقتصادياً واجتماعياً.

ما كشفه غياب سعد الحريري ليس فقط غياب شخص، بل غياب نموذج كامل من العمل السياسي القائم على التسويات والتمثيل الطائفي المركزي. لكن البديل لم يولد بعد. لا التغييريون نجحوا في فرض أنفسهم كخيار ناضج، ولا المنظومة قادرة على الاستمرار من دون كلفة.

لبنان اليوم أمام فراغ سياسي يتجاوز الأسماء، ويتطلب إعادة صياغة الحياة السياسية نفسها. وحتى ذلك الحين، سيبقى السؤال مفتوحاً: من يملأ الفراغ؟ أم أن الفراغ هو العنوان الدائم للمرحلة المقبلة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى