أبرز الأخبار

ملامح التسوية المقبلة: كيف يخرج لبنان من دائرة الحرب المؤجّلة؟

 

بقلم العميد الركن المتقاعد جورج جاسر – Almarsadonline

‎يجد لبنان نفسه اليوم أمام مفترقٍ حاسم بين انهيارٍ دائم أو فرصة نادرة لتثبيت استقرار طويل الأمد. فالأزمات الداخلية المتراكمة، من الانهيار المالي إلى تفكّك المؤسسات، جعلت البلد عاجزاً عن فرض إرادته أو حماية تناقضاته، فيما أدّى الانقسام السياسي والطائفي إلى عجز الدولة عن صياغة موقف موحّد تجاه الملفات الكبرى التي تحدد مستقبله. وفي ظل هذا الضعف البنيوي، يصبح أي مسار تفاوضي مع إسرائيل محفوفاً بمخاطر الانزلاق الداخلي ما لم يُبنَ على توازنات دقيقة تُرضي المكوّنات اللبنانية المختلفة وتحفظ موقع الدولة.

‎في المقابل، تتقدّم إسرائيل بخطى ثابتة لفرض معادلة جديدة على الحدود الجنوبية، مستفيدة من الهوّة التي أحدثها الانهيار اللبناني. وقد طوّرت تل أبيب خطاباً يقوم على الأمن أولاً والاقتصاد ثانياً، عبر التلويح بمنطقة عازلة أو ترتيبات دائمة تُبقي لبنان في موقع المتلقّي. هذا التقدّم الإسرائيلي المتزامن مع احتلالات جديدة داخل لبنان ،و المقرون بضغوط أميركية متزايدة لنزع فتيل التوتر، يجعل أي تفاوض غير مبني على رؤية لبنانية داخلية واضحة عرضة لأن يتحول إلى تنازل سياسي أو أمني غير قابل للحياة.

‎وفي ظل هذه المعادلة، يبدو اللبنانيون خائفين من صدام داخلي إذا ما طرح سلاح حزب الله بتسليمه قسريا، او طلب جمعه بالقوة بعدما تقرر حصريته بيد الدولة . فمسألة القوة العسكرية خارج إطار الدولة لا يمكن معالجتها بخطابات أو ضغوط ظرفية، بل تحتاج إلى مسار تدريجي يحفظ دور الجيش وسلامته ويصون الاستقرار الداخلي. وأي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة ستعيد لبنان إلى مناخات الحرب الأهلية، وتفجّر وضعاً اجتماعياً واقتصادياً لا قدرة للبلد على تحمّله.لذا بات ملحّاً إيجاد صيغة تُبقي السلاح خارج المواجهة الداخلية وتُعيد تنظيم دوره ضمن مظلة الدولة، ومن خلال تفاهمات دولية وعربية

‎لا يمكن للبنان أن يدخل مفاوضات تاريخية من دون شبكة أمان سياسية واقتصادية. فالدعم العربي ليس تفصيلاً بل شرط لميزان قوى يوازي الضغوط الأميركية والإسرائيلية، ويمنح لبنان القدرة على التفاوض من موقع الندّ لا من موقع المنهار. المطلوب مقاربة عربية موحّدة تضع أولويات واضحة ،دعم الجيش، إنقاذ مالي مرحلي، وتأمين رعاية سياسية تضمن أن أي اتفاق لا يتحول إلى تكريس لضعف الدولة بل إلى بداية استعادتها، ومن دون ذلك يبقي لبنان معلقا على خيط القوة وسلام مؤجل بشروط الآخرين .

‎أما الولايات المتحدة، فدورها يبقى أساسياً في أي حل ممكن. فواشنطن هي الطرف الوحيد القادر على ممارسة ضغط فعّال على إسرائيل لضبط الشروط الأمنية وتقديم ضمانات توقف الخروق وتمنع فرض وقائع أحادية على الأرض. وفي الوقت نفسه، تستطيع الإدارة الأميركية وضع إطار دولي لدعم لبنان اقتصادياً وتحفيز الإصلاحات مقابل تقدّمٍ تدريجي في المسار الأمني. ومن دون رعاية أميركية منظمة، سيبقى السلام مجرد هدنة هشة.

‎وعلى ضوء هذه المعطيات، يصبح السلام المستدام في لبنان مشروعاً ممكناً إذا ارتكز إلى تصور واقعي يدمج الأمن بالاقتصاد ويعتمد مراحل واضحة.
تبدأ المرحلة الأولى بوقف الأعمال العدائية طويل الأمد بضمانات دولية وبتعزيز انتشار الجيش جنوباً بمساعدة أميركية وعربية.

المرحلة الثانية بإطلاق مشاريع اقتصادية مشتركة، من الطاقة والغاز ،إلى المعابر الحدودية، بما يمنح اللبنانيين مكاسب ملموسة ويخلق مصلحة متبادلة في الاستقرار.
أما المرحلة الثالثة فتقوم على صياغة تفاهم داخلي حول الاستراتيجية الدفاعية، يدمج قدرات المقاومة تدريجياً ضمن بنية الدولة من دون كسر التوازن أو جرّ الداخل إلى مجابهة .

‎هذه العملية المتدرجة تمنح لبنان الوقت لبناء مؤسساته واستعادة قدرته على اتخاذ القرار، وتمنح إسرائيل الضمانات الأمنية التي تطالب بها، وتمنع في الوقت نفسه أي انفجار داخلي ناتج عن ضغوط غير محسوبة. فالتسوية الناجحة ليست تلك التي تُضعف طرفاً وتُرضي آخر، بل تلك التي تخلق مصلحة مشتركة في تجنّب الحرب وتثبيت الاستقرار. وعندما يشعر اللبنانيون بأن الدولة قادرة على حمايتهم، وعندما تشعر إسرائيل بأن الحدود آمنة، يصبح السلام قاعدة لا استثناء.

وعلى هذه الخلفية، يظهر مستقبل لبنان والمفاوضات محصوراً بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

١-سيناريو التسوية التدريجية
وهو الأكثر قابلية للتحقق. يقوم على:
– ضبط الحدود عبر ترتيبات أمنية جديدة.
– تنظيم سلاح حزب الله ضمن إطار انتقالي،خلال فترة قصيرة يتم الاتفاق عليها.
– إطلاق مبادرة عربية محدّثة ودعم أميركي وأوروبي تربط التطبيع بضمان الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة.
– رزمة اقتصادية تعيد تنشيط الجنوب وتخفف الانهيار.
هذا السيناريو يجنّب الحرب الداخلية ويحقق استقراراً نسبياً، لكنه يبقى هشّاً طالما الإصلاحات الداخلية غائبة.

٢-سيناريو التجميد بلا حلّ
أي الاستمرار بالأعمال العدائية من دون اتفاق نهائي.
يبقي الوضع معلّقاً، لا حرب شاملة ولا سلام، مع استمرار الاحتلال في النقاط الجديدة، وتعطّل الحياة السياسية والاقتصادية.
هو السيناريو الأكثر كلفة على لبنان، لأنه يكرّس الانهيار ويفتح الباب أمام اضطرابات أهلية بطيئة.

٣-سيناريو الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو إقليمية.
يحدث إذا فشلت المفاوضات وتزايد الضغط الأميركي–الإسرائيلي لنزع السلاح مقابل رفض داخلي كامل، أو إذا استخدمت إيران الساحة اللبنانية كورقة تفاوض نووي.
يؤدي إلى فوضى داخلية، انهيار مؤسساتي، واحتمال توسع إسرائيلي.
هذا هو السيناريو الأسوأ، لكنه يبقى قائماً طالما لا توجد مظلّة عربية–دولية قوية.

في الخلاصة ما زال أمام لبنان فرصة أن يصنع لنفسه مساراً جديداً، شرط ألا يتخلى عن وحدته وقراره الوطني، وألا يسمح بتحويله مرة أخرى إلى خط مواجهة دائم ،فمستقبل لبنان مرهون بقدرته على الجمع بين واقعية سياسية جديدة تحمي الداخل من الانفجار، وبين مبادرة عربية محدّثة ودولية تعيد التوازن إلى المفاوضات، وبين ضغط دولي بنّاء لا يفرض الاستسلام بل يسهّل الوصول إلى اتفاق شامل. وفي حال لم تُبْنَ هذه الشبكة الثلاثية، سيبقى لبنان عالقاً بين وقف نار مؤقت وحرب مؤجلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى