أبرز الأخبار

مرتا مرتا: ألمطلوب واحد

 

ألمحامي لوسيان عون – كاتب ومحلل سياسي

الدولة اليوم هي مرتا… والمطلوب دولياً أشهر من نار على علم هو “جمع السلاح وحصره بيد الدولة”
لكن مرتا تمارس التذاكي على المجتمع الدولي بأسره، وتحاول صرف النظر عن المرض العضال الذي يصيب لبنان، فتراها تهتم بالقشور ،وبإلهاء دول القرار بما ليس هو جوهري وأساس المشكلة ، وهي تعلم علم اليقين أن لب الازمات والحروب والصراعات منذ أن تم توقيع اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩ السلاح الشرعي المتفلت،
ولو أن أجهزة الدولة وعلى رأسها المسؤولون تمتعوا جميعاً بحس وطني وأدركوا مخاطر إطلاق العنان لفتح لند وما بعدها من غض الطرف عن انشاء جيوش جرارة عاثت في الارض مجازر ودماراً وتحريضاً وقتلاً وذبحاً وتشريداً للبنانيين ،لما وصلنا الى ما بلغناه من مآسي.
اليوم، نجد بعض المسؤولين عن قصد ام عن غير قصد يحاولون إقناع المواطنين بأن العلّة تكمن في زعيم عصابة مخدرات من هنا،أو من مهرّب على الحدود من هناك ، أم من اكتظاظ في السجون أو من عميل للعدو، لكن تناسى هؤلاء أن علّة العلل تكمن في أم الدويلات قد تخطت قوتها قوة الدولة بأشواط كثيرة،وبأن الدولة باتت عاجزة عن قمع أي ممن يستظلون هذه الدويلات التي أنشأت مؤسسات وشركات كبرى ومصارف ومافيات وشبكات إتصالات وطرق تهريب منظمة ،فتغلغلت داخل مؤسسات الدولة نفسها وأضحى لها فيها أجهزة استخبارات ومراكز نفوذ بلغت قمم المرجعيات والمناصب ،حتى باتت تدير هي الدولة،وهي تعطل قدراتها وقراراتها وأنشطتها وتتحكم بمفاصلها وقوانينها وتعطل مؤسساتها ،وكم في القضاء من أمثلة على ذلك، وللمواطنين شواهد عليها في طليعتها أم الدعاوى ، دعوى انفجار مرفأ بيروت…..
واذا كانت الدويلات قد تمتعت بمقومات الدول ،وهي الشعب والأرض والمؤسسات ، زد عليها عنصر السلاح الذي تهدد به، وتحمي به مصالحها وسياساتها واستراتيجياتها المختلفة، فهل لك بالله تسأل ما بها الدولة عاجزة ذليلة منهكة منهارة مفككة ومشلولة؟
وإن كان مبرر التمسك بالاسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة تحرير القدس وحماية غزة، فالقدس لم يدخلها مقاوم ” لا بالمنيح ولا بالوحيش” وغزة لم تحميها “ممانعة” على شاشات التلفزيون فقط، بل دمرتها إسرائيل وقتلت عشرات الآلآف من شعبها وجرحت مئات الآلآف وحوّلتها الى أنقاض حتى أصبحت كهيروشيما عام ١٩٤٥،
أما وقد استسلمت الممانعة الممثلة بحزب الله وأمل والنظام الأسدي والنظام الإيراني الذي اعترف مسؤولوه اليوم بأن اليورانيوم المخصب تم طمره تحت أنقاض المنشآت النووية ، فإن رأي من كان يعترض على حمل اوزار القضية الفلسطينية منذ العام ١٩٤٨ قد تسبب بنكبة لبنان، ولم يعد هذا الوطن الصغير الضعيف تحمل المزيد ، وبذلك لا بد من إعلان الهدنة واحيائها الى حين فرض حلول للقضية الفلسطينية بعدما فشلت خطط المتنطحين من الداخل اللبناني لتحرير فلسطين، وبتنا نحن عرضة للاحتلال بفعل حروب الإسناد الدونكيشوتية وتحرير القدس العبثية.
تعيدني الذاكرة اليوم الى العام ١٩٩٠ حين كان العماد ميشال عون يحمل لواء “هز المسمار” و”دحر الجيش السوري” و”الإطاحة بحكومة الرئيس الحص” ، عندما كنا نسأله السؤال التاريخي الذي تردد على لسان الكثير من أنصاره يومها : “على من تتكل يا جنرال” ؟فيرد قائلاً : “أتكل على الله وعلى الضمير العالمي وحقوق الانسان وسننتصر لا محالة…. ”
وعندما زاره اللواء عصام أبو جمرة في القصر الجمهوري عشية ١٣ تشرين ( قبل ١٠ ساعات من الإجتياح) أطلعه على تقارير تثبت ان الهجوم المشترك بين الجيش السوري وجيش العماد اميل لحود بات وشيكاً نظراً لضخامة الحشود على طول الجبهات، فاجابه عون :” يللي بدو يهرب، يهرب ،انا بدي ابقى لوحدي هون واندفن تحت القصر الجمهوري”……
صبيحة اليوم التالي عند السابعة ( أخبرني دولة الرئيس ابو جمرة لاحقاً) أنه تلقى اتصالاً من عون قال له فيه : “يبدو بدأ الهجوم البري والسوخوي السورية تقصف أهدافاً في وزارة الدفاع والقصر الجمهوري”… وطلب من اللواء ابو جمرة خدمة تتجلى بالانتقال الى مبنى تلفزيون القنال ١١ في الحازمية لكونه اقرب الى منزل ابو جمرة الذي كان يومها في مار تقلا الحازمية ، وتلاوة بيان الإستسلام نيابة عنه من هناك، فانتفض اللواء ابو جمرة…. وأترك المجالس بالأمانات لأن ردة الفعل كان لديه كبيرة جداً، عندها ادرك أن العماد عون هرب الى السفارة الفرنسية وجر الجميع الى مجزرة كبيرة ،وكان نصيب اللواء ابو جمرة منها النفي الى فرنسا لأن البقاء يومها في مقره سيجلب له الموت المحتم هو وعائلته وقد دفع ثمن النفي لخمسة عشر عاماً وخسارة زوجته نتيجة مرض عضال، بفعل التزام سياسة الاعلى منه رتبة ومنصباً قاد وطناً الى الهلاك
نذكر وقائع من التاريخ تسجل تعنت قادة تولوا مناصب رفيعة فكانت قراراتهم المتهورة ولا تزال تقود البلاد الى الدمار والانهيار والافلاس والجوع والتهجير والقتل…. رغم ذلك لم يتعلم البعض من تجاربهم المريرة التي حولت شعبهم وارضهم الى حقل اختبار تحول فيما بعد الى ارض محروقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى