الخيارات الخاطئة التي قادت الى الاستسلام

ألمحامي لوسيان عون – كاتب ومحلل سياسي
نعم، انها خيارات خاطئة، وسوء تقدير، وفخ استراتيجي وقع فيه أهل الممانعة عندما ظنوا أن قدراتهم الهجومية أضحت بتاريخ ٧ تشرين الأول عام ٢٠٢٣ كفيلة بالاجهاز على ما اسموه “الكيان الغاصب” و”العدو الغاشم” ، لكن هؤلاء جميعاً أساؤوا الى أنفسهم قبل الإساءة الى جمهور كبير يمتد من النيل الى الفرات والدولة الفارسية ، لكنهم لم يدركوا أن بعض القيادات والأنظمة الحاكمة لم تكن سوى قصور من الرمال سرعان ما تسقط بوصول غيمة صيف عابرة كما حصل في سوريا.
لقد أدرك قادة الممانعة بينهم من استشهد،ومنهم ما زال حياً شاهداً على الهزيمة المدوية، أن “دود الخل منو وفيه” نذكر من هؤلاء العملاء من يتم كشفهم يومياً وهم كانوا حصان طروادة لصالح العدو ، أضف اليهم من استخف بقدرات الحلف الاميريكي – الاسرائيلي واستهزأ به ،وهو لم يعلم أن ترامب هو من سعى لنقل السفارة الاميريكية الى القدس، وهو الذي وعد اللوبي اليهودي بتوثيق العلاقات مع اسرائيل بحال انتخابه للدورة الثانية ، كما استند حزب الله في شن معركة الاسناد الى دعم مادي ولوجستي ومعنوي لم يتحقق ،بل كانت اسرائيل قد اعدت العدة لمعركة استخباراتية وميدانية وحرب تجفيف موارد الحزب براً وبحراً وجواً وقد نجحت في ذلك بمساعدة حليفتها الولايات المتحدة….
اليوم بلغنا حد الوصاية الكاملة على ادارة الحكم في لبنان، وما انتخب الرئيس عون على أساسه بات يُنفذ حرفياً ، وها هي ورقة برّاك أضحت أسمى من الدستور والمعاهدات الدولية والاتفاقيات والقوانين والمواثيق ،وقد انسحبت بالزمن الى ما قبل اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩ فألغت مضامين كل ما تم توقيعه بين الدولة اللبنانية والقوات الأجنبية ،وبات لبنان محكوماً ب “بورقة” منزلة مفروضة على السلطة وفورية مع تهديد بالعقوبات والفوضى اذا ما رفضت الحكومة التصديق عليها بدون مهل.
ماذا يعني تصديق ورقة “برّاك” ؟
طالما صدق مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية عليها، فان لبنان محكوم بإجراءات وجدول زمني حده الزمني الأقصى آخر العام الحالي، وهو يتضمن انتشار الجيش اللبناني تباعاً على كامل الأراضي اللبنانية بما فيها المخيمات الفلسطينية واستلام السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف ومداهمة أماكن تخزينه وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، فلن يكون أي ميليشيا ام قوة مسلحة تحت اي ذريعة من الذرائع ،وهذا شرط للمباشرة بدعم لبنان من قبل الدول الصديقة والمانحة والإعمار .
ما هي المفاعيل السياسية لسيطرة الدولة على السلاح الغير شرعي وجمعه؟
باستلام السلاح الغير شرعي على أنواعه يكون مفهوم المقاومة قد بات حكراً على السلطة السياسية في لبنان الممثلة بمجلس الوزراء،ويكون قرار الحرب والسلم بيدها، وسوف تتزامن الاجراءات المفروضة في ورقة برّاك مع ترسيم كامل الحدود مع إسرائيل وسوريا وقبرص، وهذا تمهيد لتثبيتها والاعتراف المتبادل بها وايداع نسخ عنها لدى الامم المتحدة.
واذا كانت اسرائيل قد اعترفت بهذه الحدود باقرار لبناني،يكون ذلك تمهيد للتطبيع معها لان غالبية النزاعات بين الدول تنشأ بسبب الخلافات على الحدود بينها، وهذا ما تسعى اليه الولايات المتحدة لفرض الاستقرار ،وغالباً ما كان لديها مشروطاً بتنفيذ ورقة برّاك.
هل أن لبنان سائر باتجاه التطبيع مع إسرائيل ؟
لن تكون ورقة برّاك هي الأخيرة ،واذا كان لحد الآن من مقاومة معنوية ومواقف ممانعة بعيداً عن استخدام السلاح،فإن تماهي السلطة السياسية في لبنان بوتيرة عالية وسريعة بتبني الورقة كما هي والتصديق عليها أدهش برّاك نفسه ودفعه الى كتابة تغريدتين متلاحقتين كما أدهشت الخارجيتين الاميريكية والفرنسية اللتين أثنتا على مواقف الحكومة اللبنانية التي لم تأبه لتمرد وزراء الثنائي، فأقرت ورقة تاريخية حبلى بالتعهدات التي أبرزها تسمية حزب الله بالإسم والقضاء على الثلاثية الذهبية : “جيش وشعب ومقاومة” مع حصر أمر الدفاع عن لبنان بالجيش دون سواه تحت سيطرة الحكومة ورئيس الجمهورية الذي يتمتع بمنصب قائد القوات المسلحة وصاحب الصلاحية الدستورية بتوقيع المعاهدات والاتفاقيات والتفاوض بشأنها.
انه التحول التاريخي من “فتح لاند” و”طريق فلسطين تمر في جونيه” الى “تل الزعتر ونهر البارد والصاعقة والجبهة الشعبية وعين الحلوة والناعمة، وفرض” الثلاثيات على البيانات الوزارية وخطف القرار اللبناني السياسي والعسكري واحتكار زر شن الحروب المدمرة وحروب لو كنت أعلم الى حرب الإسناد ” قبل أن يوقع لبنان والمقاومة وممانعتها صك استسلام في تشرين الثاني من العام ٢٠٢٤ يبيح للعدو ضرب أي هدف على الاراضي اللبنانية يجد فيه خطراً على امنه وسلامته ،والمضحك المبكي أن وثيقة الاستسلام لم تتضمن جدولاً زمنياً ام افقاً لاستباحة العدو الارض اللبنانية وهو دليل على تقهقر الممانعة وتلاشيها بحكم انهيارها وانهيار اي اسناد من الخارج ام الداخل.
انه زمن ترامب وبرّاك ونتنياهو واورتاغس ،زمن من ربح الحرب، فحققت اسرائيل هدفها التوسعي القديم وباتت على بعد ٦ كلم من دمشق بعدما انهارت الانظمة الكرتونية التي حكمت الشرق ولم تشكل فعلياً سوى حصن دفاعي للعدو عوض ان تنجح في القضاء عليه.
أما الباقي الذي يعتبره “الممانعون” “انتصارات أسطورية” ما هو سوى ذر الرماد في العيون والتخدير والتعمية لأن لا إسرائيل انهزمت، ولا المقاومة انتصرت، والدليل اوراق و”إملاءات” كما يعتبرها الممانعون وتنفيذ أوامر ،ومهل زمنية وتسليم السلاح دون الاعمار ودون اي ضمانات تذكر، هكذا ولج لبنان حقبة وصاية أجنبية تخدم مصالح إسرائيل وتضمن أمنها لأن خيارات العقود الماضية أضاعت فرص بناء دولة مستقلة ذات سيادة كاملة ، ونحن بتنا في زمن سلمنا أمرنا للأميريكي والفرنسي والسعودي والمصري الذين يعطونا الضمانات المشروطة بتمويل نحن بأمس الحاجة إليه، وقد أصبحنا في عداد نادي الدول الفقيرة التي تعيش على هامش صناديق الدعم الدولي والإسناد والحماية المعنوية والمالية



