من القوائم الرمادية إلى الحقائق الرمادية: آخر نداء للبنان لاستعادة المصداقية المالية

محمد فحيلي – باحث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)
يتسلل الخامس من آب ليثبت للبنانيين والعالم، ومن دون أي شك، بأنه تصب “إهتمامات” الدولة اللبنانية في المشهد السياسي، و”همومها” في المشهد الإقتصادي!
بينما يستذكر لبنان إنفجار 4 آب 2020، ويحارب من أجل إسترداد السيادة وبسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية متمسكاً ومتحصناً بالقرار الأممي 1701، إستيقظ القطاع المصرفي واقتصاد لبنان على بدء سريان القرار الأوروبي بتصنيف لبنان على اللائحة الأوروبية السوداء، بما يضعه أمام تحديات إقتصادية إضافية.
في عالم اقتصادي تحكمه الخوارزميات، وأطر الامتثال، ومقاييس الثقة، أصبح لبنان اليوم موسوماً لا بالعقوبات، بل بالريبة. خلال أقل من عام، وجد نفسه مُدرجاً على قائمتين: القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي والقائمة السوداء للاتحاد الأوروبي، ليس كمنبوذ، بل كعبرة لمن يعتبر. وليس في هذا التمييز أي شيء رمزي. بل هو تشخيصٌ لنظامٍ يعاني من اختلالٍ عميق.
ففي تشرين أول 2024، أدرجت مجموعة العمل المالي لبنان على قائمتها الرمادية بعد فشله في تطبيق 21 من أصل 46 إجراءً أساسياً في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتبعها الاتحاد الأوروبي في حزيران 2025 بإدراج لبنان رسمياً على قائمة الدول عالية المخاطر، مع دخول القرار حيّز التنفيذ في 5 آب من السنة ذاتها. هذه ليست تفاصيل تقنية. إنها صافرات إنذار تُسمع من بروكسل إلى سنغافورة.
السلطة ورفاهية الإنكار
الرد الرسمي من بيروت؟ برود وإنكار، يصل إلى حد التعالي. فالبعض يطمئن بأن “لا عقوبات فُرضت”، وأن “المعاملات مستمرة”، وكأن الثقة تُقاس بما لم يحدث بعد، لا بما قد يحدث او يحدث في الخفاء.
لكن ما لا يُقال أهم مما يُقال: الثقة انهارت بالفعل وقد تبدوا للبعض بأنها إنهارت بصمت، ولكن بشكل حاسم.
فالمصارف المراسلة تتراجع، ضباط الامتثال (Compliance Officer) في الخارج ترفع مستوى التدقيق، والمستثمرون يعيدون حساباتهم، ولبنان يُستبعد تدريجياً من المشهد المالي العالمي. لا أحد يعلن القطيعة. بل ببساطة، لا يجيب أحد على الهاتف. هذه ليست عقوبة. إنها لغة الأسواق في عصر الشفافية الرقمية.
السياسة لا القدرات، هي العائق الحقيقي
فشل لبنان ليس تقنياً. بل هو سياسي بامتياز. فالامتثال الجدي يكشف المستور: شركات وهمية، أشخاص مكشوفون سياسياً، عقود محسوبية، وتحويلات مشبوهة. ويتطلب رفع السرية المصرفية، وتطبيق القانون دون تمييز.
هنا ينهار كل شيء.
فالسلطة التشريعية، رغم جهود بعض التكنوقراط في السلطة التنفيذية، ما زالت تعتبر كل إصلاح تهديداً لا فرصة. البرلمان يحمي مصالحه، لا مصلحة الوطن. يماطل، يفرمل، يعدّل، وكل ذلك في سبيل بقاءٍ سياسي على حساب السيادة المالية.
الطريق لم يُغلق بعد
ومع ذلك، لم يُقفل الباب بعد. فلبنان ليس على القائمة السوداء. و”الخطة التصحيحية” التي وضعتها مجموعة العمل المالي تمتد حتى نهاية 2026. وما زال هناك وقت رغم أنه ضيق، لكنه كافٍ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن ذلك يتطلب قرارات شجاعة، لا مناورات شكلية:
تمكين هيئة التحقيق الخاصة من العمل باستقلالية.
ملاحقة الجرائم المالية دون اعتبارات سياسية.
دعم الجهات التنظيمية والقضائية لفرض القانون.
وإعادة تعريف “الإصلاح” كمصلحة وطنية، لا كأداء أو طلب خارجي.
الثقة لا تُستعاد بخطاب. بل تُبنى بفعل، وباستمرارية، وبمؤسسات قادرة على الفعل والمحاسبة.
الإصلاح لم يعد عرضاً، بل يجب أن يصبح وعداً
العالم يراقب. لكن الأهم، أن اللبنانيين أنفسهم ييراقبون .وهم يستحقون دولة تحمي مدخراتهم، وتحترم تعبهم، وتمنحهم أملاً بأن الغد أفضل.
الأمر لا يتعلق بإرضاء الاتحاد الأوروبي أو مجموعة العمل المالي. بل باختيار الدولة على حساب الفوضى. باسترداد السيادة من قبضة الإفلات من العقاب.
لبنان اليوم عند مفترق طرق. القوائم قد تكون رمادية وسوداء، لكن الخيارات واضحة: إصلاح أو انعزال. مؤسسات أو مسرح سياسي. تعافٍ أو انحدار



