
بات رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي يحرص على زيارة طرابلس أسبوعيًا تقريبًا. في قصره الكائن في مدينة الميناء، يستقبل الوفود الشعبية والمطلبية، يلتقي فاعليات المدينة والشمال، من نواب وبلديات ورجال دين ومسؤولين، ويُتابع معهم الأوضاع وكأنه لا يزال في السراي الحكومي.
غير أن هذا الحضور في طرابلس، الذي لم يعتده ميقاتي خلال ولايته الحكومية، برّره مؤخرًا لأبناء مدينته بأنّ “الوزارة كانت آخدة كل الوقت”، مؤكدًا أنّه لم ينسَ طرابلس، بل كان منشغلاً بمتابعة شؤون لبنان في واحدة من أصعب لحظاته. أما الآن، فهو “عائد ليكون قريبًا من أهله وناسِه”، كما يُردّد أمام الزوّار.
في الكواليس، لا يُخفي ميقاتي أمام الدائرة الضيّقة من المقرّبين أنه يدرس بجدّية خيار الترشّح للانتخابات النيابية المقبلة، شخصيًا أو عبر أحد أبنائه. خيارٌ كان قد صرف النظر عنه بعد خروجه من الحكومة وتشكيل حكومة نواف سلام، الذي ظنّ كثيرون حينها أنه يمثّل نموذجًا جديدًا ومختلفًا لرؤساء الحكومات، قد يُقصي الأسماء التقليدية عن الساحة السياسية.
ومع انطلاق حكومة سلام، سعى الأخير بداية إلى تشكيل فريق سياسي خاص، خصوصًا في مدينتي بيروت وطرابلس، لكن غرقه في يوميات السياسة اللبنانية وتشابكاتها، أضعف حضوره، وأفقده زمام المبادرة، على المستويين السني والوطني.
هذا التعثّر، إلى جانب الانكفاء المستمر لسعد الحريري، جعل ميقاتي يشعر بأن الساحة باتت شبه خالية. وعبر بعض الأقلام القريبة منه، يروّج لكونه “الخيار الأنسب” في نظر المملكة العربية السعودية، لترؤس أي حكومة مقبلة، نظراً لقدراته على تدوير الزوايا والتعاطي مع مختلف القوى السياسية.
لكن ميقاتي ليس وحده في هذا الفراغ، فشعبية القوى السنية الأخرى في طرابلس ليست بأفضل حال. لم تُنتج التجارب السياسية والنيابية المتعاقبة في المدينة نموذجًا تنمويًا أو إنقاذيًا حقيقيًا، ولا تزال طرابلس تقف على الهامش، تفتّش عن خطة حكومية تُعيد الحياة إلى اقتصادها، وتُنقذ أبناءها من بطالة وفقر، باتا السِمة الطاغية في يومياتها.
وهكذا، وفي ظل الانكماش العام للتمثيل السني، والمراوحة السياسية على المستوى الوطني، يُعيد ميقاتي التموضع بهدوء. فهل تكون وجهته المقبلة البرلمان؟ أم أنّ عينه لا تزال على كرسي السراي؟ أم الإثنين معاً؟



