أخبار محلية

تسلّح السنّي الذي يغطيه الحزب

تستدعي صورة مفتي زحلة والبقاع الشيخ علي الغزّاوي حاملاً البندقية، من الذاكرة، صورة أيقونية قديمة للأمين العام لـ “الحزب” السيّد حسن نصر الله، تتماثل مع تلك البندقية التي تظلّل شعار “الحزب”، وتمثّل التوأم الرمزي لوجوده في وجدان جمهوره.

لا يكفي التماثل الشكليّ لرسم التناظرات، غير أنّ استحضارها ناجم من حاجتين:

– الأولى: تأكيد على موقف الجمهور السُنّي التاريخي من القضية الفلسطينية، قبل وجود “الحزب” وبعده.

– الثانية: تعطّش الجمهور لصورة أيقونية نظيرة لصورة الحزب المسلّح، بكل ما تختزله من فائض قوّة في الداخل وعلى مستوى الإقليم.

من يعرف المفتي الغزّاوي يدرك تماماً أنّه ليس في وارد الدعوة إلى التسلّح. ومن يتابع نشاط دار الفتوى في البقاع منذ عهد المفتي الراحل الشيخ خليل الميس، يدرك أنّها حمت الساحة الدينية من موجات التطرّف والرؤوس الحامية مراحل كثيرة. فقد كان لـ “أزهر البقاع” الفضل في مأسسة التعليم الديني، وتنظيمه، ومنع التسلّل إليه، على النحو الذي حدث في بعض المناطق الأخرى. والمفتي الغزاوي هو من تلامذة الميس، وهو آتٍ من تلك الخلفية الهادئة والحكيمة. وفي العموم، لم يحدث في تاريخ دار الفتوى منذ عهد المفتي حسن خالد، أن وفرت غطاء لأي تسلّح خارج إطار السلطة الرسمية، حتى في أوج طغيان الميليشيات في بيروت، على اختلاف ألوانها ومراحلها التاريخية، منذ مطلع الثمانينات حتى 7 أيار 2008. لكن التعبيرات الرمزية تتسع مساحتها كلما سالت الدماء في المواجهة مع إسرائيل.

فُتح هذا النقاش من قبل حين نشط سلاح أبي عمار في الساحة اللبنانية. ولا شك أنّ الجمهور السنّي أيّد منظمة التحرير الفلسطينية بلا تردّد، من منطلق الانحياز بلا تردّد إلى القضية المركزية للعرب. وكان ما كان من انقسام داخلي وتسلّح مسيحي تحت عنوان “مقاومة” الوجود الفلسطيني، وكانت تلك الفرصة التي أتاحت لحافظ الأسد أن يدخل إلى لبنان بغطاء عربي ودولي، ويهيمن على الحكم والأمن فيه زهاء ثلاثة عقود.

التاريخ خير شاهد

يقتضي الإنصاف التاريخي التأكيد على حقيقة أنّ النخبة السياسية والدينية السنيّة لم تنخرط في التسلّح أو في تغطيته، لا مباشرة ولا بشكل غير مباشر. لم يفعل صائب سلام كما فعل بيار الجميل وكميل شمعون، ولم يفعل رشيد كرامي كما فعل الرئيس الراحل سليمان فرنجية. لم يظهر في الساحة السنيّة نظير لـ “الكتائب” و”القوات” و”المردة” و”الوطنيين الأحرار” التي كانت ترعاها بشكل مباشر النخبة التي تمارس العمل السياسي. كان انحياز السنّة إلى الدم الفلسطيني انحيازاً مبدئياً عاطفياً، ولم يكن مشروعاً عملياتياً. ولعلّه يُقرن بالانحياز الشيعي والدرزي، وانحياز فئة وازنة من الطوائف المسيحية، من قوميين وعروبيين ويساريين.

لا بد من استحضار هذا السياق التاريخي ليوضع في إطارها أي تعبير رمزي عن الحماس للقضية الفلسطينية. لكن السياق القريب للأحداث يستدعي كثيراً من الحذر في اللحظة السياسية الراهنة. ثمّة أسئلة يجب أن تواجّهَ بشجاعة وواقعية سياسية: هل هناك مشروع لإنشاء تنظيم سنّي مسلّح في لبنان؟ والأهم: ضمن أي مشروع سياسي يندرج؟ وأي مآل يفضي إليه؟

التزاوج المسموم

ما يجري اليوم على الأرض يؤكّد من دون شك أنّ ليس بالإمكان استعمال عشر بنادق إلا في ظل رعاية “الحزب” والحرس الثوري، وبما يتفق مع إدارتهما للجبهة اللبنانية في الإطار الأوسع لانتشار إيران السياسي والعسكري والأمني في الإقليم. يشبه الأمر شيئاً من قبيل الفصائل العشائرية السنّية التي انضوت في إطار “الحشد الشعبي” في العراق لمحاربة “داعش”. وقد خدمت تلك الفصائل الصورة التي أراد قاسم سليماني تظهيرها في ذلك الحين بأنّ إيران تقود مشروعاً وطنياً عابراً للطوائف في وجه الإرهاب. لا يمكن التفكير عملياً بإنشاء أي تنظيم مسلح خارج هذا الإطار، ولو أقسم بكل آيات الله أنه لن يخرج عن إطار “المقاومة”.

لم يسبق للحزب أن تعايش مع وجود أية بندقية إلى جانبه في ساحة الجنوب. سواء كانت للشيوعيين أم للقوميين أم لـ “حركة أمل” أم لـ “الجماعة الإسلامية”. لا تهم النوايا هنا، بل المهم أنّ أي تسلّح سنّي غير ممكن إلا في كنف “الحزب” وبغطائه وتحت إدارته ولخدمة أهدافه. وبذلك لا تختلف “قوات الفجر”، عملياً، عن “سرايا المقاومة”.

هذا في البعد العملي. أما في البعد السياسي اللبناني الخالص فالنقاش أكثر أهمية. ثمّة شعورٌ دفين لدى كثيرين في الجمهور السنّي بأنّ المشاركة في العمل المسلّح تنقلهم إلى حيّز العمل المقاوم، وتخلّصهم من عقود من المزايدة والمعايرة من جانب “الحزب” الذي يدعي لنفسه امتياز منح شهادات الانتماء إلى الوطنية والقومية والعروبة والإسلام.

وهنا مكمن الخطورة. فالحماس لحمل السلاح يفتح الساحة أمام التزاوج المسموم بين لعب أجهزة المخابرات وجنون التطرّف، فيما يتجاوز الحركة المضبوطة الجارية حالياً. لا يجب أن يغيب عن الذاكرة شبان حملوا السلاح في وجه الجيش في جرود الضنية، وآخرون صدقوا لعبة “فتح الإسلام” في مخيم نهر البارد، وآخرون استدرجتهم المخابرات السورية إلى العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، وآخرون انضووا في حركة أحمد الأسير في صيدا.

لكل ذلك، تحتاج الساحة السنيّة إلى الكثير من الحذر والوضوح. وأول لوازم الوضوح عدم جدوى أي مشروع خارج إطار الدولة الوطنية، مهما تخلّى الآخرون عن هذا الإطار وتسلّحوا واستقووا بالحمايات الخارجية. بل إنّ المشاريع الطائفية والإقليمية لدى الآخرين أدعى أن يتمسك السُنّة بإطار الدولة الوطنية، لأنّه الإطار الوحيد الذي يحميهم ويحمي وطنهم.

عبادة اللدن – اساس ميديا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى