أبرز الأخبار

بهاء الحريري غريب الأطوار

يبدو بهاء الحريري غريب الأطوار سياسياً. لا تعرف إن كان يفهم حقيقة عمق التركيبة اللبنانية، وآليات عمل النظام السياسي اللبناني، أو حتى شارعه السنّي، أم هو تائه يريد أن يتسلى ويمضي بعض الوقت في لبنان قبل العودة إلى موناكو.
يحتار المرء في من هو أسوأ في عالم السياسة وعالم «البزنس»: بهاء الحريري أم أخيه سعد. قد يكون بهاء أكثر نجاحاً في عالم «البزنس»، لكنه أسوأ أداءً من سعد في مجال السياسة، على علات هذا الأخير الكثيرة في هذا العالم أصلاً. كما لا يملك الرجل العائد إلى لبنان أي مشروع سياسي واضح المعالم، حداثي أو تحديثي، بل جلّ ما يشدد عليه ويقوله هو «إستكمال مسيرة رفيق الحريري»، وهو تعبير فضفاض لا يصلح البتة لهذا الزمن.
ومسيرة رفيق الحريري «الشيحوي» (نسبة للمفكر ميشال شيحا) التي يريد نجله الأكبر بهاء إستكمالها، هي سبب من أسباب أزماتنا الإقتصادية الحالية. بعض إيجابيات رفيق الحريري معروفة ومقدّرة في مجال التعليم وإعادة الإعمار، لكن رئيس الحكومة السابق في زمن الإحتلال السوري للبنان، طبّق ما قاله وكتبه ميشال شيحا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي عن الإقتصاد بالحرف، وأودى بنا، عن دراية أو جهل، إلى التهلكة.
يقول شيحا «إنّ لبنان يعيش بالحرية ويموت من دونها»، وهي الجملة التي يتوّج فيها المفكر والمصرفي والكاتب أفكاره حول الإقتصاد اللبناني. أما الفرد اللبناني، بنظر شيحا، فعاشق للحرية، و«هي الميزة الأولى عنده». ولبنان، الذي لا مواد أولية فيه، يجد مادته الأولية في الحرية. وكما أنّ الحرية لها الدور الأساس في حياة لبنان الروحية، يجب أن تكون الحرية، كذلك، لها الدور الأساس في حياة لبنان المادية والإقتصادية. يقول الرجل أيضاً:«الحرية الإقتصادية هي البديل لافتقار لبنان إلى الثروات الطبيعية… لذا، علينا أن ندافع عن الحرية كما يدافع غيرنا عن مناجم الذهب أو منابع البترول أو حقول القطن». وانطلاقاً من واقع لبنان الطبيعي والبشري، ومن مميزات شعبه وسيكولوجيته الجماعية وصفاته الدينية والزمنية وعلاقته بمحيطه والعالم، فإنّ الإقتصاد المناسب للبنان واللبنانيين، حسب شيحا ورفيق الحريري من بعده، هو إقتصاد الخدمات.
ليس لبنان، برأي شيحا، مهيئاً لكي يكون بلداً زراعياً لأسباب طبيعية جغرافية وسيكولوجية، تبدأ بصغر مساحته ووعورة جباله، وصولاً إلى عدم قدرته على منافسة جارته سوريا في هذا القطاع. وكما في الزراعة كذلك في الصناعة، حيث يرى شيحا أنّ لبنان ليس مهيئاً لكي يكون بلداً صناعياً، ولا يستطيع، بأي شكل من الأشكال، منافسة جاره الأوروبي، وهو في الحالتين مسبوق منهما، ولا يستطيع التفوّق عليهما. أمّا في التجارة والخدمات فهو قادر على التنافس الجدي معهما أو حتى التفوّق عليهما. لذا، على لبنان أن يختار الدور الأكثر إنسجاماً مع «عقليته» حسبما يقول شيحا؛ أي دور الخدمات، وهذا ما طبّقه، عملياً، رفيق الحريري طوال فترة حكمه، حيث حطّ من قيمة الزراعة والصناعة اللبنانية، وأعلى من شأن الخدمات؛ السياحة والمصارف وغيرها، وورّط لبنان، مع آخرين، بسلسلة طويلة من الديون الخارجية، جعلت من الأزمة الإقتصادية الأخيرة نتيجة «طبيعية» للخلل البنيوي الذي أرساه الحريري في مجال الإقتصاد.
بطبيعة الحال، لا يتحمل رفيق الحريري كامل مسؤولية ما آل إليه وضع لبنان، لكن أن يأتي إبنه بعد سنوات طويلة من الغياب لـ «يحيي العظام وهي رميم» ففي الأمر معضلة وغشاوة لا يرى بهاء في تطبيقها استحالة، ولا يقدّر بشكل صحيح واقع لبنان الحالي، أزماته الإقتصادية أو حتى اختلال ميزان القوى فيه بين الجماعات والطوائف، كما هامشية دور طائفته السياسي في واقع لبنان الحالي.
ولبهاء تجربة سياسية «يتيمة» خاضها عام 2022، حيث تحمّس رجل الأعمال لخوض وإدارة الإنتخابات البرلمانية اللبنانية تماماً كما أدار شركاته. أفرد أمواله ووزعها، إفتتح مكاتب لحملته في كل المناطق اللبنانية، وأدار الحملة عبر تطبيق Zoom دون أن يتواضع ويتعقلن ويحطّ رحاله في لبنان. بطبيعة الحال، التجربة الفاشلة لم تؤدِ إلى نتيجة جيدة البتة، حيث حصد حفنة من الأصوات للوائحه المنتشرة في طول لبنان وعرضه، ولم يتخطَ مجموعها بضعة آلاف من الأصوات من الذين قرروا «رد جميل» الخدمات داخل صندوق الإقتراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى