أبرز الأخبار

خفايا أزمة “اختفاء” الطوابع: السر انكشف

شكَّلَت أزمة فقدان الطوابع المالية إحدى أبرز روافد الأزمة الاقتصادية المستمرة، إذ عمَّقَ فقدانها مشكلة انتظام العمل الإداري في مؤسسات الدولة، فضلاً عن مساهمتها في تقليص الواردات. وإن كان فقدانها قد أضَرَّ بمصلحة الدولة والمواطنين، إلاّ أنه أفادَ قلّة من الأشخاص استغلّوا حالة الفوضى في البلاد لتأسيس سوق سوداء للطوابع. ولأنّ الطوابع تأتي عبر وزارة المالية، يستدعي ذلك بالضرورة وجود قناة تصل بين الطوابع في الوزارة وبين روّاد السوق السوداء.

بعد نحو 4 سنوات من عمر الأزمة، يخلص ديوان المحاسبة إلى تقرير، حصلت “المدن” على نسخة منه، يكشف الستار عمّا يحصل في هذا الملفّ. ومع أن الديوان لا يمكنه وضع حدٍّ لفقدان الطوابع، إلاّ أن المعلومات الواردة في التقرير، تشكّل وثيقة رسمية تحدِّد المسؤوليات وتفتح الباب أمام المحاسَبة إن أرادَ القضاء والسلطة السياسية ذلك.

البداية عند وزارة المالية
مَنَعَ انهيار سعر صرف الليرة وزارة المالية من توفير النفقات اللازمة بالدولار لطباعة المزيد من الطوابع، ومن هنا بدأت بذور الأزمة. لكن تبيَّنَ مع الوقت بأن المشكلة كانت أعمق، فقد كشف ديوان المحاسبة أن “تقرير مديرية الخزينة في وزارة المالية أظهر بنتيجة التدقيق الداخلي في موضوع أزمة الطوابع المالية، أن أساس المشكلة تعود إلى طبع وتسليم كميات أقل بكثير من حاجة السوق”.

إذاً، الكميات التي تفرِج عنها وزارة المالية لا تكفي السوق، وبالتالي، لا تصل الطوابع إلى جميع المرَخَّصين ببيعها. وفي السياق، يورِد تقرير ديوان المحاسبة أن ضآلة أعداد الطوابع “حذا ببعض المرخَّصين إلى احتكار سوق الطوابع نتيجة الحصول على كميات كبيرة من الطوابع، من خلال صناديق طوابع المرخّصين مباشرة أو من خلال استئجار أو استثمار رخص أخرى بموجب وكالة، أو من خلال رخص طوابع بإسم أشخاص تابعين لهم أو عن طريق شراء حصص الطوابع الشهرية من مرخّصين آخرين. ومعظم هؤلاء المرخصين لم يلتزموا ببيع الطوابع المالية بالسعر الرسمي بحجة أن الجعالة (5 بالمئة) غير عادلة”.

السوق السوداء
ومع ظهور السوق السوداء وانقطاع الطوابع، لم تفلح وزارة المالية في الحدّ من اتساع رقعة تلك السوق. وأيضاً، لم تجرِ أيّ إعادة نظر في آلية إيصال الطوابع للمرخَّصين ببيعها، علماً أن عملية الاستلام والتسليم والمراقبة والإشراف على الطوابع، منصوص عليها بوضوح في المذكرة رقم 295/ص1 الصادرة عن وزير المالية بتاريخ 15/4/1995، والتي بموجبها “تم تشكيل جهازين في دائرة المحاسبة والصناديق للقيام بالمهام المحددة المتعلقة بإدارة ومراقبة الطوابع في أنواعها كافة، هذان الجهازان هما أمانة الصندوق المركزي للطوابع (الجهاز الإداري) والأمانة المركزية للإشراف والتدقيق على صناديق الطوابع (جهاز المراقبة)”. وهذا يعني أن أجهزة الوزارة هي التي تتحكَّم بالإفراج عن الطوابع في السوق.
على أن الإفراج يتم لأشخاص منحتهم الوزارة ترخيصاً ببيع الطوابع المالية للأفراد. ووفق المادة 23 من قانون رسم الطابع المالي، لرئيس مصلحة الخزينة في وزارة المالية أن يعطي الإجازة ببيع الطوابع المالية للأفراد، إنما هذه الصلاحية مقرونة بضرورة تثبّته من عدة شروط هي “أن يكون طالب الإجازة لبنانياً لا يقل عمره عن عشرين سنة. غير محكوم بجناية أو جنحة شائنة. لديه محل ثابت للبيع. ثمة حاجة لإيجاد محل جديد لبيع الطوابع المالية في المنطقة التي يقع فيها محله. أن يوقّع تعهداً خطياً يلتزم فيه باحترام القوانين والأنظمة، وبتنفيذ التعليمات المتعلقة ببيع الطوابع، لا سيما عدم بيعها بمبالغ تزيد عن قيمتها الإسمية المدونة عليها”.
وعندما تعطي الوزارة إجازة البيع التي لا ينتهي مفعولها “إلا إذا تدخّلت الإدارة وقامت بسحبها أو إلغائها لمقتضيات المصلحة العامة أو لمخالفة المستفيد لشروط الاستفادة منه”، يُجري رئيس مصلحة الخزينة رقابته عبر الموظفين المختصين بشؤون الطوابع (موظفو دائرة الضرائب غير المباشرة)، وتتمثّل الرقابة بوجوب التحقّق من استمرارية توفّر الشروط المفروضة لإعطاء الإجازة لدى المرخّص له. وبموجب القانون رقم 1/84، للموظّفين صفة الضابطة العدلية.

ديوان المحاسبة يتدخَّل
بما أن وزارة المالية لم تمارس حقَّها وواجبها القانونيان في الرقابة على حركة الطوابع لضمان وصولها إلى الجمهور بالصورة السليمة، تدخَّلَ ديوان المحاسبة، واستند إلى المادة 52 من المرسوم الاشتراعي رقم 82/1983 التي أعطته الحقّ بالتحرّك “كلّما رأى لزوماً لذلك”. ووضع الديوان تقريراً “استغرق إعداده أكثر من سنة، بسبب وضع الإدارات العامة وإضراب القطاع العامة، إضافة إلى جَسَامة المهام التي يتصدّى لها الديوان رغم انعدام الموارد والنقص المرعب في عدد القضاة والمراقبين والمدقّقين والإداريين”، وفق ما يقوله رئيس الديوان القاضي محمد بدران، في حديث لـ”المدن”.

ويُشار إلى أنه يعود للديوان إجراء رقابة إدارية مسبقة على الصفقات، ورقابة قضائية وإدارية مؤخّرة على الموظفين والحسابات، بالإضافة إلى إبداء الرأي الاستشاري في المواضيع المالية بناءً لطلب الهيئات الخاضعة للرقابة.
لم يحمِّل الديوان بشكل مباشر، مسؤولية أزمة الطوابع لفردٍ أو مجموعة أو جهة، إلاّ أن التدقيق في المهام القانونية أفضى إلى كشف الحقائق بصورة غير مباشرة، وأظهَرَ بوضوح حجم السوق السوداء التي توفِّر 97 بالمئة من احتياجاتها للطوابع، من صناديق المرخّصين الذين يستغلّون الفوضى في البلاد، للقيام بعملية التهرّب من دفع الضريبة، وهو ما وثّقه ديوان المحاسبة بالقول أن “القسم الأكبر من أصحاب الرخص هم مكتومون ضريبياً لناحية نشاط بيع الطوابع”، وذلك للفترة بين 1/9/2022 ولغاية 31/7/2023.
ويبدو أن الخطوة التي قام بها الديوان، لن تقف عند حدود إصدار التقرير، فخطوات مستقبلية آتية على المستوى التشريعي لتعيد الأمور إلى نصابها. وبحسب بدران، فإن التقرير “سيُسَلَّم يوم الجمعة إلى وزير العدل، ليُصار إلى إطلاق حملة ملاحقات”. وهو أمر سيطال الكثير من باعة الطوابع ومن موظّفي وزارة المالية ممّن تظهر التحقيقات تورّطهم بتعميق الأزمة. كما يعوِّل بدران على التعديلات التشريعية المرتبطة بقطاع الطوابع، وبرأيه “هناك اهتماماً نيابياً لجهة إجراء تعديلات في القانون”.
إلى حين إجراء تغييرات ملموسة، خلص تقرير الديوان إلى “وقف العمل بالوكالات كافة. وقف العمل بالرخص المخالفة حالاً. ملاحقة المرخّصين الذين خالفوا القانون، جزائياً. إحالة الموظفين المخالفين على القضاء وتوقيفهم عن العمل. إنهاء الإتفاق الرضائي مع الجيش لجهة طبع ما تبقى وخلال مهلة لا تتجاوز الثلاثة أشهر. البدء فوراً بتطبيق النموذج ص 14 من تنظيم نماذج تودع المؤسسات. استرداد جميع آلات الوسم وصيانتها ووضعها في الخدمة بمهلة لا تتجاوز الشهر. الاستيفاء النقدي لما يتجاوز 500 ألف ليرة من طوابع. الإعلان عن مناقصة لتلزيم الطابع الإلكتروني. عدم تصديق أي مناقصة لطباعة الطوابع الورقية. استرداد الضريبة من المكتومين ضريبياً وبمفعول رجعي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى