أبرز الأخبار

إلّا أنت يا سيّد

دعوة الأمين العامّ للحزب السيّد حسن نصر الله إلى فتح البحر أمام النازحين واللاجئين السوريين في لبنان، مشروع صدام جديد بين لبنان والمجتمع الدولي. ما يمضي به الرجل قد يُنزل البلد إلى درك جديد لم يصل إليه سابقاً في عزّ الحرب الأهلية. فأيّ لبنان يريد الحزب؟

 دعوة الأمين العام للحزب حسن نصر الله إلى فتح البحر أمام السوريين، ربّما كانت لتأخذ معنى مغايراً لو نطق بها طرف غيره. لكن أن ينطق بها هو، وهو الحليف الأوّل والأبرز للنظام السوري وقوّاته تسرح وتمرح في الكثير من المدن والبلدات والقرى السورية حتى اللحظة. فلهذا معنى مختلف تماماً بالغ الخطورة والدلالة، ومن أبرز مكامن الخطورة فيه:

ـ من المؤكّد أنّ هذه الدعوة لم يطلقها من دون تنسيق مع حليفه الأسد ونظامه، وما هذه الدعوة إلا خطوة نحو مزيد من الضغط على الغرب عموماً لفكّ عزلة نظام الأسد ورفع العقوبات عنه.

ـ يشرك نصر الله مصالح دولة أخرى مع مصالح وطنه، وربّما يقدّم مصلحة النظام السوري على مصلحة بلده، وإلّا لما عرّض بلده لخطر تصنيفه دولةً خارجةً عن الشرعية الدولية والمعاهدات والمواثيق الدولية.

ينطلق نصر الله في دعوته هذه من خلفيّته كعضو فاعل ومؤثّر في محور “المقاومة”، لا من خلفيّته كحزب في دولة يخضع لسياساتها وخططها ويرفع لواء مصالحها بمعزل عن مصالحه ومصالح الحلف الذي ينضوي فيه.

ـ قبل كلّ هذا وبعده فهو يؤهّل النظام السوري ليدخل بوّابة المجتمع الدولي من مدخل اللاجئين السوريين.

فائض قوّة يبحث عن تصريف

يخرج الحزب من كلّ حرب يزجّ نفسه وبلاده فيها منتصراً، مهما كانت النتائج. المشكلة معه تكمن في فائض القوّة المتوهَّم الذي يشعر به بعد كلّ مغامرة يخوضها: أين سيصرفه؟ وكيف؟

عام 2006 خرج معلناً انتصاره في حرب دمّرت لبنان تدميراً غير مسبوق في تاريخه. فائض القوّة المتوهَّم يومها، صرفه تعطيلاً في السياسة والاقتصاد حتى صنع جمهوريةً كاملةً عنوانها الفراغ، الفراغ في كلّ شيء.

في سوريا أعلن انتصاره لمجرّد بقاء حليفه على رأس النظام السوري، وإن كان ثمن هذا البقاء تدمير سوريا بشراً وحجراً وتشريد أهلها في شتّى أرجاء العالم، ونزوح ملايين السوريين إلى لبنان.

في حربه لإسناد غزة ودعم حلفائه فيها، لا شكّ سيخرج منتصراً سواء بقيت غزة أو أُزيلت نهائياً ودُمّرت معالمها وهُجّر أهلها (وأتى جزء منهم إلى لبنان). ومع كلّ انتصار مزعوم، يخرج الحزب بفائض قوّة متوهَّم، يحتاج إلى سوق تصريف أو تقريش. ساعةً لبسط نفوذه وفرض حلفائه في المناصب الحسّاسة في الدولة، وساعةً لفرض سياساته وحلفائه على شركائه في الوطن وخارجه. فائض القوّة الذي يتوهّم الشعور به في حربه لإسناد غزة منذ ثمانية أشهر تقريباً، يريد تصريفه في ملفّ النازحين السوريين هذه المرّة، ما دام سلاح التعطيل فعّالاً في ملفّ رئاسة الجمهورية.

عليه، يُصبح وقف الحرب في جنوب لبنان مرتبطاً بحلّ مسألة غزة ومسألة النازحين السوريين في لبنان. ولم لا؟ هي حرب يخوضها المحور مع إسرائيل وداعميها، في فلسطين ومن إيران إلى اليمن على جبهات عدّة، في البرّ والبحر والجوّ، في إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين الأحمر والمتوسط. فلماذا لا يشمل الحلّ الرقعة الجغرافية هذه كلّها، أو على الأقلّ جزءاً لا بأس به منها: غزّة وسوريا مثلاً؟

توسّعت الحرب في المنطقة كثيراً. هي أوسع حرب في الشرق الأوسط منذ عقود. وعليه، يطرح الحزب أن يكون الحلّ الذي سينبثق منها واسعاً مثلها، فيشمل لبنان وفلسطين وسوريا وربّما اليمن.

هذا التفسير الوحيد لكلام نصر الله في خطابه الأخير، لأنّ أيّ تفسير آخر ضرب من الجنون. فلبنان إمّا يكون دولةً شرعيةً معترفاً بها من دول العالم كلّها وجزءاً وعضواً من المجتمع الدولي تسري عليه القوانين والمواثيق الدولية كلّها، أو لا يكون.

أخيراً ثمّة سؤال لا بدّ منه: هل يسحب نصر الله قوّاته من سوريا إذا ما فُتح البحر أمام النازحين السوريين ليهاجروا إلى أوروبا؟

ما ينبغي فعله، قبل سواه، هو أن يتّفق “السيّد” والرئيس السوري بشار الأسد على عودة اللاجئين إلى وطنهم مقابل أن تنسحب قوّات الحزب من القصير حتى بيت جن. تأهيل النظام السوري لا يكون بمعاداة العالم بمغامرات من نوع “فتح البحر”. مغامرات كهذه تقضي على ما بقي من هياكل لبنان الذي كان ذات مرّة دولة.

ما يقوله “السيّد” الآن سبقه إليه الزعيم الليبي العقيد معمّر القذافي. الأخير هدّد أوروبا بتحويلها إلى قارّة سوداء عبر فتح الحدود البحرية أو التفاهم معه… وكان ما كان.

ما أتى به الأمين العامّ للحزب في خطابه الأخير، لم يسبقه إليه أحد. افتحوا البحر، قال، أمام هجرة السوريين إلى أوروبا، فيأتيكم الغرب طائعاً، وعوض أن يعطيكم مليار دولار سيعرض عليكم عشرين ملياراً أو أكثر. وعليه، يصير لبنان محطة تهريب كبرى، ومسرحاً للاتّجار بالبشر، وبوّابة عبور إلى أوروبا. وجلّ ما يطلبه منه العالم عموماً، وأوروبا خصوصاً، كفّ أذاه وشرّه عن الدول الأوروبية.

الابتزاز لنا عادة

هكذا ذهب إلى سوريا قبل عقد ونيّف، وزجّ لبنان في أتون الأزمة السورية ووضع بيئته الحاضنة على الضفة المقابلة لشعب ثائر على نظام عمره أكثر من نصف قرن. اشتُهر ببوليسيّته وقمعه بل سحقه لكلّ من يخالفه. ساهم تدخّل “السيّد” هذا في نزوح مئات الآلاف بل ملايين السوريين إلى لبنان.

هذا ما يفعله أيضاً، في حربه في الجنوب إسناداً لأهل غزة وتحديداً لحليفَيه فيها، حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي. وجلّ ما يُخشى منه في هذه الأيام أن تأتي حربه لإسناد غزة بلاجئين فلسطينيين مرّةً جديدةً إلى لبنان.

في الداخل يعرقل الحزب كلّ عملية ديمقراطية يجب أن تتمّ ضمن مواعيدها. ويترك الكرسي الأوّل في البلاد، أي كرسي رئاسة الجمهورية، فارغاً، وقياساً عليه يترك كراسي كثيرة إمّا فارغةً أو ممدَّداً لشاغلها، من آخر بلدية أو مقعد اختياري في أقصى لبنان وصولاً إلى المنصب الأوّل في الجمهورية. لا انتخابات حتى يتوافق الجميع على مرشّحه لمنصب رئاسة الجمهورية. ولا حكومة حتى يأخذ ما يريد من المناصب الوزارية. لا حوار حتى يوافق الجميع على استراتيجيّته في الصراع العربي الإسرائيلي، والاعتراف به طرفاً ثالثاً. بل أوّل في معادلة ما انفكّ ينادي بها: جيش وشعب ومقاومة. ولا سلم في لبنان حتى ينتصر المحور الذي ينتمي إليه من إيران إلى اليمن مروراً بفلسطين.

لا حلّ لأزمة اللاجئين السوريين في لبنان، إلا بعد حلّ معضلة حليفه بشار الأسد ونظامه في سوريا. شعاره في هذا: ابتزّ ابتزّ حتى تأخذ ما تريد. وعرقلْ عرقلْ حتى تسير أمورك ومصالحك. أو أمام مصالح المحور تسقط كلّ المصالح، سواء كانت وطنيةً أو قوميةً أو إنسانيةً.

أيمن جزيني-اساس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى