أخبار محلية

صحيفة لبنانية تطلق نداء استغاثة مالية!

المصدر صحيفة الاخبار

مرّة جديدة تظهر علامات الإعياء على الصحافة المكتوبة في لبنان. وبعد فشل جريدة «الاتحاد» التي أطلقها الراحل مصطفى ناصر على خلفية احتلال الموقع الذي شغر بإقفال جريدة «السفير»، تتعرّض صحيفة «نداء الوطن» التي أُطلقت لمواجهة «إعلام الممانعة» على ما يقول أحد مؤسّسيها، لأزمة مالية قد تعرّضها للخطر، ما لم تتدارك المؤسسة أو الجهات السياسية الراعية لها الأزمة في وقت سريع. العاملون في المؤسسة لا يزالون يتقاضون رواتبهم (كاملة بالدولار الفريش) لكنهم باتوا على قلق من احتمال تعرّض المؤسسة لخطر، قد يؤدي إلى تقليص فريقها أو حتى أكثر من ذلك. علماً أن المحاولات جارية من قبل إدارتها لإيجاد شركاء جدد يعالجون أزمة التمويل.«نداء الوطن» كانت ظهرت إلى الجمهور في عام 1992، بعدما تولّى تمويلها رجل الأعمال هنري صفير، وكانت ضمن مشروع إعلامي – سياسي أعدّه المرشح الدائم للانتخابات الرئاسية والنيابية. وبعدما واجه صفير مشكلات مالية على إثر تعثّر مصرف «ادكوم» الذي كان يملك الحصة الكبرى من أسهمه (يُشهد للرجل أنه تحمّل مسؤولية التعثر الذي أصاب المصرف وبادر إلى تغطية الخسائر من ماله الخاص وليس كما يتهرب أصحاب المصارف الحالية من مسؤوليتهم هذه الآن)، وقرّر صفير وقف إصدار «نداء الوطن» في عام 2000، وباع امتيازها لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي عاد وباعه للمدير العام لـ»شركة مكتف للصيرفة» ميشال مكتّف الذي إختار العمل السياسي مع حزب «القوات اللبنانية» وقرّر بالتعاون معها إصدار «نداء الوطن».
في الأول من تموز 2019، صدر العدد الأول من النسخة الجديدة من الجريدة. وأوضح رئيس تحريرها الزميل بشارة شربل أنها «ذات هدف سياسي واضح وهو قضية سيادة لبنان، بما يعنيه ذلك من قيام دولة مكتملة، لا سلاح غير شرعي فيها ولا مناطق مقفلة ولا هيمنة سواء داخلية أو خارجية».
وكان واضحاً منذ اليوم الأول، أن الجريدة أريد لها أن تعيد الحياة إلى المناخ السياسي لقوى 14 آذار. وقد تمّ تشكيل فريق من الصحافيين الذين يدورون في هذا الفلك، مع حرص على بعض التنوع من خلال إضافة أقلام تعكس رأي الفريق الآخر، بمن في ذلك من لديهم حساسية يسارية لكن قريبة من فكر 14 آذار.

لكن سرعان ما اتّخذت الجريدة المنحى المباشر كناطقة باسم «القوات اللبنانية»، وفتحت صفحاتها لحلفاء «القوات» وقيادة حملة ضد حزب الله والتيار الوطني الحر، ثم تطوّر الأمر لاحقاً إلى انتقاد الرئيس سعد الحريري وتيار «المستقبل» وهو ما أدّى تدريجياً إلى خروج بعض العاملين الرئيسيين من وسام سعادة (المحسوب على اليسار) إلى محمد النمر (المحسوب على تيار المستقبل)، علماً أن الأخير ربط خروجه بانحيازها القوي إلى فريق «القوات» وبناء علاقة مع منافس الحريري وشقيقه بهاء الحريري.
في عام 2022، توفي ميشال مكتف، وتولّى ورثته متابعة المهمة، ولكن برزت خلافات داخل العائلة حول إدارة التركة، وأدى الأمر إلى تراجع الرغبة في استمرار تمويل الصحيفة، وقد أبلغ نجل الراحل ميشال مكتف إدارة الصحيفة أن الظروف لم تعد تسمح باستمرار التمويل كما وعد بعد وفاة والده، ما دفع بمقرّبين من «القوات» إلى البحث عن «رجال أعمال مقرّبين منها»، لكن دون الوصول إلى عقود ثابتة تؤمّن تمويلاً لخمس سنوات على الأقل، خصوصاً أن الجريدة كانت في صدد إنشاء منصة رقمية خاصة وتمّ الشروع في خطة بناء استديو خاص وبرامج عمل لهذا الغرض. وهو خيار جاء بعد فشل الجريدة، في احتلال موقع نافذ على صعيد الجمهور، وهي تُصنف في المرتبة السادسة بين الصحف الورقية على مستوى الانتشار. وعزا مهتمون بأمر الجريدة الأمر، إلى أنها بالغت في موقفها الداعم لـ»القوات اللبنانية» وحلفاء الولايات المتحدة في لبنان، علماً أن الجريدة حرصت طوال الوقت على عدم الوقوع في أي مشكلة مع دولتَي الإمارات العربية المتحدة والسعودية التي يقول صحافي مقرّب منها إنها «لم تجد الجدوى من دعم هذا المشروع».
كل هذه التطورات دقّت جرس الإنذار حول مستقبل الجريدة في ظل تراجع القدرات المالية. لكن لم يحصل إلى الآن، أي خلل في نظام دفع الرواتب ومصاريف المؤسسة. لكنّ الجديد، هو أن مدير المؤسسة رجا الراسي (من كوادر القوات اللبنانية) أبلغ العاملين، بأن هناك أزمة مالية، وأنه يجري العمل على معالجتها من خلال البحث عن شركاء جدد، مع رغبة في إقامة شراكة مع مؤسسات إعلامية قريبة سياسياً.
وبعدما خرجت المعلومة إلى العلن، سادت شائعات عن مفاوضات جارية بين إدارة الصحيفة وعدد من رجال الأعمال الناشطين في المجال السياسي. وبينما نفى مقرّبون من المصرفي أنطون صحناوي رغبته في الاستثمار، قال مصدر في الصحيفة نفسها إن الصحناوي ليس هو المرشح المفضّل لتشكيل شراكة معه، خصوصاً أن موقفه مخالف لسياسة الجريدة تجاه القطاع المصرفي وإدارته، كما أنه ليس على علاقة جيدة مع «القوات اللبنانية».
وقال المصدر إن الإدارة تفضّل سلوك طريق آخر، مع الإشارة إلى اقتراح للتعاون مع إدارة صحيفة «لوريون لوجور» من أجل تأمين صفقة شراكة. لكنّ مصدراً مأذوناً له في الصحيفة الناطقة بالفرنسية نفى علمه بوجود أي مفاوضات. وقال إن لا مجال لمثل هذه الصفقة، وهو أمر أكده أيضاً مصدر قريب من رجل الأعمال سليم ميشال إده صاحب الحصة الكبرى في «لوريون لوجور». وأضاف المصدر أن العجز السنوي المقدّر يتجاوز مليونَي دولار وهو أمر لا يمكن توفيره في مشروع «لا يتطابق مع سياستنا التحريرية»، علماً أن مسؤولين في «نداء الوطن» قالوا إن البحث لم ينته بعد. وأكدوا أن هناك فرصاً جدية لوجود شركاء يحافظون على استمرارها.

حافظ عدد قليل من الزملاء في «نداء الوطن» على صفائهم المهني، مثل وليد شقير وغادة حلاوي. وكان واضحا الميل لـ«شد العصب» المسيحي، بحجة سيطرة الآخرين على القرار، مع حنين دائم للبنان ما قبل الحرب الأهلية. ومع دفاع كبير عن الأقتصاد الحر ونظامه المنهار، لكن الصحيفة أدرات حملة شعبوية في المجال الاقتصادي، مكتفية بسياسة تجاوزتها الأزمة بعد انهيار النظام المالي والمصرفي. مبرزة آراء مجموعة من الخبراء الذين يقودون منذ سنوات معركة الحلول مكان من يتولى المناصب الرئيسية في النظام المالي والنقدي في لبنان.
لكنّ الجريدة تميّزت بزميلة لمّاحة ومحقّقة من الطراز الرفيع، هي الصحافية نوال نصر التي قدّمت إسهامات مميزة في صحافة التحقيقات، بينما تراجعت «هضامة» عماد موسى التي كانت تميزه يوم كان كاتباً للصفحة الأخيرة في مجلة «المسيرة» الناطقة باسم «القوات اللبنانية».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى