أبرز الأخبار

مَن يُريد “إغتيال” الوفد العسكري التقني المفاوض؟

حينما شاخ الأسد وبلغ من العمر عتياً وضعف حتى لم يعد قادراً على التقاط أنفاسه، فاجأه الدبّ أولاً وسدّد له ضربةً قوية انتقاماً من أذى قديم كان قد لحق به، ثم جاء الثور ونزل بقرنيه في جسد غريمه.. وكان الحمار يشاهد الهجمات تتوالى فشعر أنه سوف ينجو من أي عقاب، فراح يرفس جثة الأسد. كان الأسد يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يقول: “يصعب علي كثيراً أن أتحمّل وأنا أشاهد هذه الحيوانات الشجاعه تنتصر علي، لكن الألم يزداد كثيراً عندما أرى نفسي أموت تحت رحمتك يا أحقر المخلوقات”.

الحكمة أعلاه تنطبق على وضعية الوفد العسكري التقني المفاوض حالياً، مع لفت العناية إلى كونه ما شاخ وعجز إطلاقاً، إلاّ أنّه يتلقى الطعنات من كلّ حدبٍ وصوب، وربما ما كان أحد من المبادرين في الإعتداء ليتجرّأ على وخز مكان إبرة، لولا تخلّي القيادة السياسية عن الوفد وتآمرها الواضح عليه.

ومما لا شكّ فيه، أن تخلّي الجماعة السياسية أو ممارستها للطعن بحق الوفد، أتاح لآخرين من قماشات سياسية متعددة، افتعال ذات الشيء تقريباً أو المضي قدماً في سلوك درب تشويه صورة الوفد وما أنجزه إلى حينه، كإظهاره مثلاً أنه رسم الخط 29 وافتعله لخلق أزمة أو أنه أقدم لاحقاً على التنازل عنه، أو أن لديه عدة خطوط، يمكن أن يتمّ اختيار إحداها كحلّ للنزاع الحدودي البحري مع العدو الإسرائيلي، وهذا لا يغادر طبيعة الإيحاء بأن الوفد المفاوض مثلاً طرح الخط 29 للحصول على الخط 23 وغيرها من الطروحات التي ليس لها أساس من الصحة، ولا غاية لها سوى ممارسة الخداع الذي يهدف إلى إلحاق الأذى بالوفد أمام الرأي العام وتسخيف مقامه وموقعه وافتراسه لأسبابٍ باتت معلومة لدى الجميع.

من موقعي كمتابعٍ لما قام ويقوم به الوفد المفاوض، ومن خلال اطّلاعي على مجريات المفاوضات وعلى الدور المهم والإستثنائي الذي قام به هذا الوفد، وأنا للأمانة أقول ما أقول عن قناعة، ومن منطلق المطّلع على التفاصيل التفاصيل، لا بدّ من تبيان الحقائق التالية، للتاريخ وللأجيال المقبلة، وكي لا يُقال أن الوفد باع هذه أو تلك أو إنه المسؤول عن الويل الذي سيأتي علينا من وراء التخلذي السياسي عن الحقوق، ولإنصاف الوفد وأعضائه معنوياً استلحاقاً لعملية الإغتيال الوظيفي والمعنوي التي تطالهم بتهديداتها:

إن الوفد المفاوض لا يزال يدافع عن الخط 29، كون هذا الخط هو خطٌ تقني وقانوني وتمّ التحضير له بدقة عالية، وأصبح هذا الخط أكثر قوة بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية بتاريخ 12/10/2021 في قضية النزاع الحدودي البحري بين كينيا والصومال. هذا القرار يدعم ويقوّي منهجية الترسيم التي اتّبعت في ترسيم الخط 29 الذي تجاهل تأثير صخرة تخيلت، على عكس ما يريد الوسيط الأميركي ومعه الإسرائيلي بإعطاء هذه الصخرة تأثيراً كاملاً، فكيف يتمّ اتهام الوفد بأنه تخلّى عن الخط 29 وتمّ اقتراح خطوط أخرى من قبل؟

إن نتيجة عمل الوفد المفاوض تمّت كتابتها في تقريرٍ مفصلٍ، يتضمّن استراتيجيةً واضحةً مبنيةً على توجيهات رئيس الجمهورية في بيانه للوفد المفاوض قبل انطلاق المفاوضات في الناقورة ، والذي أكد فيه على وجوب بدء التفاوض إنطلاقاً من الخط 29، وكلّ كلامٍ آخر هو محض افتراء، ويجب التفريق هنا بين ما يتمّ التداول به من قبل بعض المسؤولين السياسيين حول نظرتهم للحلّ النهائي الذي يعطي لبنان حقل “قانا”، وهذا الحلّ هو مجرد فكرة لم تُقترح رسمياً بعد من قبل الوسيط، وبين الموقف الثابت للوفد المفاوض الذي يتمثّل بالدفاع عن الخط 29 وبدء المفاوضات اعتباراً من هذا الخط وفقاً للتوجيهات المعطاة له من قبل رئيس الجمهورية.

كذلك الأمر، أصبح الخط 23 من الماضي، خاصة بعد صدور قرار هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل بوجوب تعديل هذا الخط. الغريب بالموضوع أنه لغاية تاريخه ،يتمسّك بعض السياسيين بهذا الخط البائس المشوّه و”التجاري” الناشئ، خدمةً لتحسين ظروف العدو وقبله الجانب الأميركي، ويقومون بإطلالات إعلامية تدافع عنه وتدعو إلى عدم تعديل المرسوم 6433. وقد أثبت الوفد المفاوض أنه يمكن تعديله من الناحية القانونية وكذلك الأمر من الناحية الأخلاقية، كون العدو لم يعترف بالخط 23 المجحف بحق لبنان بل قام في العام 2011 برسم خط حدوده البحرية داخل المياه اللبنانية دون وجه حقّ، فكيف لا يحقّ للبنان المطالبة بحقّه الذي كرّسه القانون الدولي ولا سيّما القرار الأخير لمحكمة العدل الدولية بين كينيا والصومال، وبدء التفاوض من الخط 29، ويحقّ للعدو الإسرائيلي أن يبدأ مفاوضاته من خطّه الذي رسمه في المياه اللبنانية دون أن يستند أو يُراعي القوانين الدولية.

في كل دول العالم، وفي كل السوابق التي اتُّبعت في حلّ النزاعات الحدودية البحرية، تقوم كلّ دولة طرف، بتحضير ملفها للمطالبة بالحد الأقصى، وفي بعض الأحيان لا يكون الحد الأقصى متوافقاً مئة في المئة مع القانون الدولي، كما هي الحال مع الخط الإسرائيلي رقم 1. إضافة إلى ذلك تقف كل دولة طرف، مع فريقها المفاوض وتدعمه على كل المستويات، ويكون داخل الدولة خطابٌ وحيد داعم للملف كما هي الحال عند الجانب الإسرائيلي، وكما كان الحال أيضاً عند الجانب الصومالي، الذي سبق لبنان بالمطالبة والحصول على حقّه في مياهه البحرية، على الرغم من تلزيم كينيا لهذه المياه لكبرى شركات النفط العالمية، فأين لبنان من الصومال؟ أليس عجيباً هذا البلد؟ فكيف يتمّ إرسال وفده المفاوض لانتزاع حقّ شعبه وثرواته من عدوه، ومن ثم تتمّ محاربته ومحاولة تجريده من نقاط القوة التي يتمتّع بها، ولصالح من؟

في النهاية استطاع الإسرائيلي في العام 2011 خلق منطقةٍ بحرية متنازع عليها في المياه اللبنانية أي في البلوكات 8 – 9 – 10، إلاّ أنه وبعد التحضير الجيد لهذا الملف ولعدة سنوات، استطاع الوفد العسكري التقني المفاوض، نقل النزاع من المياه اللبنانية إلى ما يُسمّى المياه الإسرائيلية، وبدلاً من بقاء النزاع في البلوك 9 وحقل قانا، أصبح النزاع في البلوك 72 وحقل كاريش، وهذا إنجازٌ يسجّل للبنان. وقد درجت العادة، أن دولنا تكتفي أمام العدو بالدفاع عن حدودها ، ولم يُسجّل التاريخ مرةً أن نُقل النزاع إلى عمق هذا العدو إلى درجة أن أهّب وجيّش من رآه مناسباً للدفاع عن حدوده، وصولاً لقلب النزاع وتحويله إلى إطارٍ شخصي، كأنه قائمٌ بينه وبين الوفد الذي بات مطلوباً إزاحته مهما كلّف الثمن!

فهل تستطيع السلطة السياسية أن تدافع عن الحقوق المتبقّية لهذا الشعب، أو أنها ستتنازل عن هذه الثروة لصالح العدو الإسرائيلي؟ وهل سيبقى يطلّ بعض السياسيين إعلامياً ، للدفاع عن الخط 23 الذي قال القضاء اللبناني كلمته بوجوب تعديله. هذا التعديل هو الطريق الوحيد الذي يُجبر الإسرائيلي على العودة سريعاً إلى طاولة المفاوضات، لحماية شركة “إنرجين”، التي تعمل في حقل “كاريش”، وغير ذلك كله مضيعة للوقت لصالح هذا العدو، ودعكم من ترّهات بعض خدام البلاط المعادي.

“ليبانون ديبايت”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى