أبرز الأخبار

عون ليس شهاب وجبران باسيل ليس شارل حلو

يروي أحد المقرّبين سابقاً من الرئيس ميشال عون حديثاً دار بينه وبين الرئيس في بدايات ولايته حول مسألة توريث العهود الرئاسية في تاريخ الجمهورية. وقد أشار الرئيس في معرض الحديث إلى التمديد للرؤساء بشارة الخوري والياس الهراوي وإميل لحود فسارع محدّثه إلى لفت نظره إلى أنّ ذلك كان تمديداً لا توريثاً وأنّ التوريث الوحيد في تاريخ الجمهورية حصل في عهد الرئيس فؤاد شهاب في العام 1964 عندما انتخب الرئيس شارل حلو “ابن” الشهابية بتزكية من الرئيس المنتهية ولايته.

لكنّ الفارق بين عهدي عون وشهاب كبير. كما أنّه لا يمكن الحديث عن “عونية” على غرار “الشهابية”. فقد كان عهد شهاب أنجح العهود في تاريخ الجمهورية لناحية تعزيز مكانة الدولة من خلال تطوير الإدارة اللبنانية وخلق ما يمكن تسميته الدولة الاجتماعية التي تولي مسألة الإنماء والحماية الاجتماعية أولوية قصوى.

بينما لا يمكن لأحد إنكار أنّ عهد الرئيس عون كان أفشل العهود في تاريخ لبنان. ولا فرق هنا إن كانت الأسباب موضوعية أو ذاتية فالكارثة وقعت خلال العهد الحالي وهي أسوأ الكوارث الإقتصادية في العالم منذ العام 1850. كما أنّ نسبة الفقر بين اللبنانيين تجاوزت الثمانين في المئة. وإذا كان الرئيس عون غير مسؤول لوحده عن وقوع الأزمة فإنّه مسؤول عن عدم وضع حدّ لها خلال السنتين الماضيتين ولاسيّما في ظل موازين القوى الحالية التي يتحكّم بها مع حليفه حزب الله، وهي الموازين التي لا تلغيها التمايزات الظرفية بين الحليفين.

في مطلق الأحوال فإنّ الرئيس شهاب ما كان في إمكانه توريث عهده وبصعوبة لولا نجاحه في الحكم وهذه ليست بأي شكل من الأشكال حالة عهد الرئيس عون. وبالرغم من ذلك فإنّ العهد تنكّب، بحسب الأوساط عينها، مهمة وحيدة وهي توريث الرئاسة للنائب جبران باسيل.

ترى هذه الأوساط أنّ العهد انتهى منذ لحظة إعلان الرئيس عون في السنة الأولى من ولايته أنّ جبران متقدّم في السباق الرئاسي. وهو ما يشير إلى أنّ الجهد الرئيسي للعهد انصبّ منذ البداية على تأمين الرئاسة لرئيس التيار الوطني الحرّ. وبالتالي فإنّ كلّ سياسات العهد كانت تصبّ في هذا الاتجاه بما في ذلك فرض الشروط على تأليف الحكومات بغية تعزيز موقع باسيل داخل تركيبة الحكم ولاسيّما بعد النقمة الشعبية عليه وتعرضّه للعقوبات الأميركية.

لكن ماذا عن توقيت كلام الرئيس عون عن استحقاق الانتخابات الرئاسية واحتمالاته بينما حديث الساعة داخلياً وخارجياً هو عن الانتخابات النيابية، وفي وقت تتفاقم الأزمة السياسة المتصلة بالحكومة مترافقة مع اشتداد الأزمة الإقتصادية والنكبة الاجتماعية؟

في موازاة تفسير تصريحات الرئيس فإنّ بعض الأوساط المتابعة تتساءل عن مقدار قدرة الرئيس على إجراء حوار صحافي أو إعلامي متماسك، بالنظر إلى استغرابها توقيت هذه التصريحات ومضمونها، مشيرة إلى المرّات الكثيرة التي كان يصدر فيها توضيحاً لمواقف الرئيس بعد الإدلاء بها.

مع العلم أنّ هناك تناقضاً بين حديث الرئيس إلى جريدة “الراية” القطرية عشية الزيارة حيث قال إن التمديد الرئاسي غير وارد، وبين حديثه إلى قناة “الجزيرة” في الدوحة حيث قال إنه في حال تمّ التمديد للمجلس النيابي يعود إليه تقرير ما إذا كان الرئيس سيبقى في قصر بعبدا أو لا، فالدستور يسمح بالتمديد.

تشير تلك الأوساط إلى أنّ حديث الرئيس في 19 تشرين الثاني عن أنّه سيترك القصر لرئيس يخلفه وأنّه لن يسلّم إلى فراغ، ثم التأويلات والإيضاحات التي صدرت تعقيباً على كلامه هذا، وصولاً إلى كلامه عشية زيارته الدوحة وخلالها، يعزّز الظنّ بأنّ العهد يتعمّد دفع الأزمة السياسية إلى مزيد من التعقيد. فالرئيس افتتح بزار الاستحقاق الرئاسي وجعله أولوية سياسية ولاسيما لناحية الربط بينه وبين الانتخابات التشريعية. وكلّ ذلك بهدف وضع ورقة رئاسة جبران باسيل على الطاولة استباقاً لأي تسوية للأزمة اللبنانية.

عليه فإنّ توقيت الرسائل الرئاسية مرتبط بالأزمات الداخلية وتفاعلاتها الخارجية. أي أنّه في لحظة بلوغ تعقيدات الأزمة الداخلية أقصاها فإنّ العهد يعطي إشارة إلى أنّه لا حلحلة قريبة لهذه التعقيدات. وبالتالي فهو يدفع باتجاه بلوغ المأزق السياسي الكبير الذي قد يفتح الباب لطرح الملف اللبناني على طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية. ولذلك فهو يحاول الإمساك بالورقة الرئاسية من خلال طرح شروطه للاستحقاق الرئاسي وإخضاعه للمقايضات السياسية. وهو ما يفسّر تعمّده الإشارة إلى مواصفات الرئيس المقبل والتي تنطبق، وفقه، على باسيل حصراً.

هذا الأمر يعزّز المخاوف على حتمية إجراء الانتخابات النيابية ولاسيّما أنّ الرئيس تطرّق لإمكان التمديد للمجلس النيابي. ولكنّ كلامه ليس المؤشر الوحيد إلى الخطر الذي يحوط إجراء هذه الانتخابات. إذ يزداد السؤال إلحاحاً عن إمكان إجرائها في ظلّ تصاعد وتيرة الأزمة السياسية والتوتّر السياسي الذي يظهره حزب الله المفترض أن يكون في موقع قوّة. هذا فضلاً عن دفع التيار الوطني الحرّ نحو طعن المجلس الدستوري بتعديلات القانون الإنتخابي، وخشية الأكثرية الحالية من الأرقام القياسية لأعداد المغتربين المسجلّين للمشاركة في الإقتراع. وكلّ ذلك يرخي بثقله على الاستحقاق التشريعي وسط التأكيدات الدولية على حتمية اجرائه في موعده، ولكن لا شيء مؤكداً حتّى الآن.

في السياق عينه تذكر الأوساط أنّ تركيز العهد والتيار الوطني الحر على مسألة التدقيق الجنائي لا ينفصل عن معركة تصفية الحسابات السياسية والرئاسية التي يخوضانها مع خصومهم ولاسيما الرئيس نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط والرئيس سعد الحريري، وكلّ ذلك بهدف ابتزازهم عشيّة الاستحقاق الرئاسي. وتشير إلى إنّ هذا الكلام تردّد بين أوساط العهد.

ماذا عن موقف حزب الله من كل ذلك؟

ترى الأوساط أنّ الحزب إمّا مطمئن إلى فائض قوّته وبالتالي فهو قادر على التكيف مع أي من التطورات السياسية وتحويلها لمصلحته، وإمّا يؤجّل حسم موقفه من التطورات الداخلية بانتظار وضوح المشهد الإقليمي والدولي ولاسيّما بعدما استؤنفت مفاوضات فيينا. ولذلك فإنّ باسيل يستبق المتغيرات الإقليمية والدولية لطرح شروطه كطرف أساسي في المعادلة الداخلية، على حليفه حزب الله وعلى سائر القوى السياسية.

وهذا الأمر ينمّ عن خطورة كبرى لأنه ينذر بتأزيم إضافي للأزمة السياسية بالنظر إلى أنّ مسار المفاوضات الدولية مع إيران لن يكون سهلاً وسريعاً ولن تظهر مفاعيله النهائية على الساحة الإقليمية في وقت قريب، وهو ما يعني تعليق الأزمة اللبنانية مجدداً على حبال الأزمة الإقليمية التي لا يمكن استبعاد اتجاهها نحو تفاقمات جديدة لتحسين كل طرف شروطه التفاوضية. وهل ما يزال في إمكان اللبنانيين التحمّل أكثر؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى